تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إن تمسسكم حسنة﴾ أي تصبكم أيها المؤمنون حسنة بظهوركم على عدو لكم وغنيمة تنالونها وتتابع الناس في الدخول في دينكم وخصب في معاشكم ﴿تسؤهم﴾ أي تحزنهم حسدا إلى ما نلتم من خير ومنفعة ﴿وإن تصبكم سيئة﴾ مساءة بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم

85

أو اختلاف يكون بينكم أو جدب ونكبة ﴿يفرحوا بها﴾ يشمتون مما أصابكم من ضرر وشدة وذكر المس مع الحسنة والإصابة مع السيئة للإيذان بأن مدار مساءتهم أدنى مراتب إصابة الحسنة ومناط فرحهم تمام إصابة السيئة ﴿وأن تصبروا﴾ على عداوتهم أو على مشاق التكاليف ﴿وتتقوا﴾ ما حرم الله عليكم ونهاكم عنه ﴿لا يضركم كيدهم﴾ مكرهم وحيلتهم التي دبروها لأجلكم.

والكيد حيلة لطيفة تقرب وقوع المكيد به فيها ﴿شياا﴾ نصب على المصدرية أي لا يضركم شيئا من الضرر بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولأن المجد في الأمر المتدرب بالاتقاء والصبر يكون جريئا على الخصم ﴿إن الله بما يعملون﴾ في عداوتكم من الكيد ﴿محيط﴾ علما فيعاقبهم على ذلك.

والإحاطة إدراك الشيء بكماله ، فينبغي للمرء أن يجانب أعداء الله ويصبر على أذاهم فإنه امتحان له من الله مع أنهم لا يقدرون على غير القدح باللسان كما قال تعالى : ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ (آل عمران : 111) والطعن لم يتخلص منه الأنبياء والأولياء فكيف أنت يا رجل وكلنا ذلك الرجل :

توروى ازر ستيدن حق مي

مهل تانكيرند خلقت بهي

رهايى نيابدكس ازدست كس

كرفتاررا اره صبرست وبس

وفي قوله تعالى : ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ إشارة إلى أن الحامل لأسرار الرجل ينبغي أن يكون من جنسه معتمدا عليه مؤتمنا وربما يفشي الرجل سره إلى من لم يجر به في كل حاله فيفتضح عند الناس :

إن الرجال صناديق مقفلة

وما مفاتيحها إلا التجاريب

فلا تغتر بظاهر إنسان حتى تعرف سريرته ، قال الإمام الغزالي : ولا تعول على مودة من لم تختبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه فإن رضيته في هذه الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا أو ابنا إن كان صغيرا أو أخا إن كان مثلا لك وإذا بلغك من الإخوان غيبة أو رأيت منهم شرا أو أصابك منهم ما يسوءك فكل أمرهم إلى الله ولا تشغل نفسك بالمكافاة فيزيد الضرر ويضيع العمر لشغله ، ومن بلاغات الزمخشري ما قدع السفيه بمثل الإعراض وما أطلق عنانه بمثل العراض أي المعارضة ، ونعم ما قيل :

جزء : 2 رقم الصفحة : 85

اصبر على مضض الحسو

د فإن صبرك قاتله

والنار تأكل نفسها

إن لم تجد ما تأكله

فالمجاملة من سير الصالحين.

وكان إبراهيم بن أدهم في جماعة من أصحابه فكان يعمل بالنهار وينفق عليهم ويجتمعون بالليل في موضع وهم صيام فكان يبطىء في الرجوع من العمل فقالوا ليلة : تعالوا بنا نجعل فطورنا دونه حتى يعود بعد هذا أسرع فأفطروا وناموا فلما رجع إبراهيم وجدهم نياما فقال : مساكين لعلهم لم يكن لهم طعام فعمد إلى شيء من الدقيق هناك فعجنه وأوقد النار وطرح الملة فانتبهوا وهو ينفخ في النار واضعا محاسنه على التراب فقالوا له في ذلك فقال : قلت لعلكم لم تجدوا فطورا فنمتم فأحببت أن تستيقظوا والملة قد أدركت فقال بعضهم لبعض : أبصروا أي شيء عملنا وما الذي به يعاملنا :

بدى را بدى سهل باشد جزا

اكر مردى أحسن إلى من أساء

86

قال ذو النون رحمه الله : لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ولا مع النفس إلا بالمخالفة ولا مع الشيطان إلا بالعداوة فليسارع العبد إلى تحصيل حسن الخلق وتوطين النفس على الصبر على المكاره حتى يفوز مع الفائزين.

قال بعضهم : كنت بمكة فرأيت فقيرا طاف بالبيت وأخرج من جيبه رقعة ونظر فيها ومر فلما كان بالغد فعل مثل ذلك فترقبته أياما وهو يفعل مثله فيوما من الأيام طاف ونظر في الرقعة وتباعد قليلا وسقط ميتا فأخرجت الرقعة من جيبه وإذا فيها ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (الطور : 48).

قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في وصيته لابن عباس رضي الله تعالى عنهما : "إن استطعت أن تعملبالرضى في اليقين فافعل وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير" ومقاساة المجاهدات ومخالفة النفس وترك الشهوات واللذات والتزام الفقر والصبر على المكروهات من ديدن السلف الصالحين وأهل النفس الأمارة وإن كان يبدو من فمه علامات البغض لأمثال هؤلاء الأخيار لكنه في الحقيقة يعود ضرره إلى نفسه والمرء بالصبر على ما جاء به من مكاره اعتراضه الفاسد يكون مأجورا ومثابا عند الله تعالى وتباين الناس بالصلاح والفساد وغير ذلك خير محض يعتبره العاقل ويزكي نفسه به فيا أيها الصلحاء إن الأشرار متسلطون على الأخيار بالطعن وقصد الأضرار ولكن المتقي في حصن الله الملك الجبار.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٧٠