تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إن الذين كفروا﴾ أي بما يجب أن يؤمن به ﴿لن تغنى عنهم﴾ أي لن تدفع عنهم ﴿أموالهم ولا أولادهم من الله﴾ أي من عذابه تعالى ﴿شياا﴾ أي شيئا يسيرا منه أو شيئا من الإغناء رد للكفار كافة حيث فاخروا بالأموال والأولاد قائلين : نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين وكانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالفقر ويقولون : لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في الفقر والشدة.

وخص الأموال والأولاد بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد فأنفع الجمادات هو المال وأنفع الحيوانات هو الولد فالكافر إذا لم ينتفع بهما في الآخرة البتة دل ذلك على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بالطريق الأولى ﴿وأوالائك أصحاب النار﴾ أي مصاحبوها على الدوام وملازموها ﴿هم فيها خالدون﴾ أبدا ولما بين أن أموال الكفار لا تغنى عنهم شيئا ثم أنهم ربما أنفقوا أموالهم في وجوه الخيرات فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك فأزال الله بهذه الآية تلك الشبهة وبين أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله فقال : ﴿مثل ما ينفقون فى هاذه الحيواة الدنيا﴾ أي حال ما ينفقه الكفرة قربة أو مفاخرة وسمعة وطلبا لحسن الذكر بين الناس وعداوة لأهل الإسلام كما أنفق أبو سفيان وأصحابه مالا كثيرا على الكفار يوم بدر واحد ﴿كمثل ريح فيها صر﴾ أي برد شديد مهلك فإنه في الأصل مصدر وإن شاع إطلاقه على الريح البارد كالصرصر ﴿أصابت حرث قوم﴾ أي زرع قوم ﴿ظلموا أنفسهم﴾ بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله وإنما وصفوا بذلك لأن الإهلاك عن سخط أشد وأفظع ﴿فأهلكته﴾ عقوبة لهم ولم تدع منه أثرا ولا عثيرا والمراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه وذهابه بالكلية من غير أن يعود إليهم نفع ما بحرث كفار ضربته صر فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة بوجه من الوجوه فهو من التشبيه المركب ﴿وما ظلمهم الله﴾ بما بين من ضياع ما أنفقوا من الأموال ﴿ولاكن أنفسهم يظلمون﴾ لما أنهم أضاعوها بإنفاقها لا على ما ينبغي وتقديم المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص.

جزء : 2 رقم الصفحة : 83

واعلم أن إنفاق الكفار إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبق منه أثر البتة في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر وإن كان لمنافع الآخرة ولعلهم أنفقوا أموالهم في الخيرات ببناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيرا كثيرا فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلا لا ثار الخيرات وكان كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كثيرا فأصابه ريح فأحرقه ولا يبقى معه إلا الحزن والأسف هذا إذا أنفقوا الأموال

83

في وجوه الخيرات.

أما إذا أنفقوها فيما ظنوا أنه من الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول وفي قتل المؤمنين وتخريب ديارهم فالذي قلنا فيه أشد وأشد ونظير هذه الآية ﴿وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا﴾ (الفرقان : 203) ويدخل فيه ما ينفقه بعض صاحبي الغرض لنفي رجل صالح من بلده أو قتله أو إيذائه ونعوذ بالله من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه ما عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه" فليبادر العاقل إلى الإنفاق من ماله والإخلاص في عمله قال عليه الصلاة والسلام : "يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدي الله عز وجل فيقول الله تعالى للملائكة ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول وهو أعلم : إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أبتغي به وجهي".

ز عمرو اي سر شم أجرت مدار

ودر خانه زيد باشي بكار

ه قدر آورد بنده حورديس

كه زير قبا دارد اندام يس

قال منصور بن عمار رحمه الله : كان لي أخ في الله يعتقدني ويزورني في شدتي ورخائي وكان كثير العبادة والتهجد والبكاء ففقدته أياما فقيل لي هو ضعيف مريض فأتيت بابه فطرقته فخرجت ابنته فدخلت فوجدته في وسط الدار وهو مضطجع على فراشه وقد اسود وجهه وازرقت عيناه وغلظت شفتاه فقلت له : يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله ففتح عينيه ونظر إلي شزرا ثم وثم حتى قلت له : لئن لم تقلها لا غسلتك ولا كفنتك ولا صليت عليك فقال : يا أخي منصور هذه كلمة قد حيل بيني وبينها فقلت : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام؟ فقال : يا أخي كل ذلك كان لغير وجه الله إنما كنت أفعل ذلك ليقال واذكر به وإذا خلوت بنفسي غلقت الأبواب وأرخيت الستور وبارزت ربي بالمعاصي :

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٨