تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذكرني وأنيس من شكرني ومطيع من أطاعني" أي كما أطعتموني بتصفية الاستعداد والتوجه نحوي أطعتكم بإفاضة الفيض على حسبه والإقبال إليكم ﴿والله عليما بالمتقين﴾ بالذين اتقوا ما يحجبهم عنه فتجلى لهم بقدر زوال الحجاب.

قال أبو بكر الكتاني : رأيت في المنام شابا لم أر أحسن منه فقلت : من أنت؟ فقال : التقوى قلت : فأين تسكن؟ قال : في كل قلب حزين ثم التفت إلي فإذا امرأة سوداء أوحش ما يكون فقلت : من أنت؟ فقالت : الضحك فقلت : أين تسكنين؟ فقالت : في كل قلب فرح مرح قال : فانتبهت واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة فعلى السالك أن يتمسك بحبل التقوى ويأنس به في الدنيا لعل الله يجعله أنيسا له في قبره وحشره فالتقوى من ديدن الصلحاء وهم الذين يسارعون إلى الخيرات ما داموا في الحياة.

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله : أفضل ما يسأل العبد من الله خيرات الدين ففي خيرات الدين خيرات الآخرة وفي خيرات الآخرة خيرات الدنيا وفي خيرات الدنيا ظهور خصائص الأولياء وهي أربعة أوصاف : العبودية ، ونعوت الربوبية ، والإشراف على ما كان ويكون ، والدخول على الله في كل يوم سبعين مرة والخروج كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة" واستغفاره عليه الصلاة والسلام من نقص ما رقي عنه باعتبار ما ترقى إليه إذ ذلك الاستغفار من مقتضى البشرية التي لا يمكن دفعها ووجه الاستغفار منه عليه السلام التفريق بين حالين كان فيهما بالعبودية إذ لا يلحق النبي نقص بوجه ولا فتور بحال لثبوت عصمته ولكن حسنات الأبرار سيآت المقربين فينبغي للإنسان أن يأخذ على نفسه أن لا يضيع لحظة حتى يأخذها بالذكر والشكر ومتى رأى خللا رفعه بالاستغفار وذكر الله تعالى علم الإيمان وبراءة من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما بعث الله يحيى بن زكريا عليهما السلام إلى بني إسرائيل أمره أن يأمرهم بخمس خصال ويضرب لكل خصلة مثلا.

جزء : 2 رقم الصفحة : 81

أمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وضرب لهم مثل الشرك كرجل اشترى عبدا من ماله ثم أسكنه دارا وزوجه ودفع إليه مالا وأمره أن يتجر فيه ويأكل منه ما يكفيه ويؤدي إليه فضل الربح فعمد العبد إلى فضل الربح فجعل يعطيه لعدو سيده ويعطي لسيده منه شيئا يسيرا فأيكم يرضى بفعال هذا العبد؟ وأمرهم بالصلاة وضرب لهم مثلا للصلاة كمثل رجل استأذن على ملك من الملوك فأذن له فدخل عليه فأقبل عليه الملك بوجهه ليستمع مقالته ويقضي حاجته فالتفت يمينا وشمالا ولم يهتم لقضاء حاجته فأعرض عنه الملك فلم يقض حاجته.

وأمرهم بالصيام وضرب لهم مثلا فقال : مثل الصائم كمثل رجل لبس جبة للقتال وأخذ سلاحه فلم يصل إليه عدوه ولم يعمل في سلاح عدوه.

وأمرهم بالصدقة وضرب لهم مثلا للمتصدق فقال مثل المتصدق كمثل رجل أسره عدوه فاشترى منهم نفسه بثمن معلوم فجعل يعمل في بلادهم ويؤدي إليهم من كسبه القليل والكثير حتى يفتدي منهم نفسه فعتق وفك رقبته.

وأمرهم بذكر الله تعالى وضرب لهم مثلا للذكر فقال : مثل الذكر كمثل قوم لهم حصن وبقربهم عدو لهم فدخلوا حصنهم وأغلقوا بابه وحصنوا أنفسهم من العدو" ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم "وأنا آمركم بالخصال

82

الخمس التي أمر بها يحيى عليه السلام وآمركم بخمس أخرى : أمرني الله بها عليكم بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد" فليسارع العبد إلى الخيرات والحسنات وجميع الحالات ولا يتيسر ذلك إلا لأرباب الإرادات وأصحاب المجاهدات :

نيايد نكوكارى از بدركان

محالست دوزند كى از سكان

توان اك كردن ز نك آينه

وليكن نيايد ز سنك آينه

بكوشش نرويد كل از شاخ بيد

نه زنكى بكرما به كردد سفيد

جزء : 2 رقم الصفحة : 81

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٧