تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ليسوا سوآء﴾ أي ليس أهل الكتاب جميعا مستوين متعادلين في المساوي والقبائح والمراد بنفي المساواة نفي المشاركة في أصل الاتصاف بالقبائح المذكورة لا نفي المساواة في مراتب الاتصاف بها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصاف بها ﴿من أهل الكتاب أمة قآئمة﴾ كلام مستأنف لبيان عدم استوائهم وتمام الكلام يقتضي أن يقال ومنهم أمة مذمومة إلا أنه أضمر بناء على أن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر أي من أهل الكتاب جماعة قائمة أي مستقيمة عادلة من أقمت العود فقام بمعنى استقاموا وهم الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وغيره.

نزلت حين قالت أحبار اليهود لعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا من اليهود ما آمن بمحمد الا شرارنا فلو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم أو نزلت في قوم يصلون صلاة الأوابين وهي اثنتا عشرة ركعة بعد صلاة المغرب ﴿يتلون ءايات الله﴾ أي القرآن صفة أخرى لأمة ﴿أمن هو﴾ ظرف ليتلون أي في ساعاته جمع أني كعصا ﴿وهم يسجدون﴾ الجملة حال من فاعل يتلون أي يصلون إذ لا تلاوة في السجود وقال عليه الصلاة والسلام : "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا" وتخصيص السجود بالذكر من سائر أركان الصلاة لكونه أدل على كمال الخضوع والمراد بصلاتهم التهجد إذ هو أدخل في مدحهم وفيه يتسنى لهم التلاوة فإنها في المكتوبة وظيفة للإمام واعتبار حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح.

﴿يؤمنون بالله واليوم الاخر﴾ على الوجه الذي نطق به الشرع تعريض بأن إيمان اليهود به مع قولهم عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شيء أصلا ﴿ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ تعريض بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهى عن المعروف ﴿ويسارعون فى الخيرات﴾ المسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية تعريض بتباطىء اليهود فيها بل بمبادرتهم إلى الشر ﴿وأوالائك﴾ المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة بسبب اتصافهم بها ﴿من الصالحين﴾ أي من جملة من صلحت أحوالهم عند الله تعالى واستحقوا رضاه وثناءه.

جزء : 2 رقم الصفحة : 81

﴿وما يفعلوا من خير﴾ كائنا ما كان مما ذكر أو لم يذكر ﴿فلن يكفروه﴾ فلن يضيع ولا ينقص ثوابه البتة وسمي منع الثواب ونقصه كفرانا مع أنه لا يجوز أن يضاف الكفران إلى الله تعالى إذ ليس لأحد عليه تعالى نعمة حتى يكفرها نظرا إلى أنه تعالى سمى إيصال الجزاء والثواب شكرا حيث قال : ﴿فإن الله شاكر عليم﴾ (البقرة : 158) فلما جعل الشكران مجازا عن توفية الثواب جعل الكفران مجازا عن منعه وتعديته إلى مفعولين وهما ما قام مقام الفاعل والهاء لتضمنه معنى الحرمان ﴿والله عليما بالمتقين﴾ بشارة لهم بجزيل الثواب وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل وأن الفائز عند الله هو أهل التقوى.

والإشارة في قوله : ﴿وما يفعلوا من خير﴾ أي من خير يقربهم إليه فالله يشكره بتقربه إليهم أكثر من تقربهم إليه كما قال : "من تقرب إلي شبرا تقربت إليه باعا" وقال : "أنا جليس

81

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٦