تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إشارة إلى ما ذكر من الكفر والقتل ﴿بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ أي كان بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى على الاستمرار فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى مباشرة الكبائر والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر فإن من توغل في المعاصي والذنوب واستمر عليها لا جرم تتزايد ظلمات المعاصي على قلبه حالا فحالا ويضعف نور الإيمان في قلبه حالا فحال ولم يزل الأمر كذلك إلى أن يبطل نور الإيمان وتحصل ظلمة الكفر نعوذ بالله من ذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿كلا بلا ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (المطففين : 14) فقوله تعالى : ﴿ذالك بما عصوا﴾ إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب المعاملات : من ابتلي بترك الأدب وقع في ترك السنن ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفريضة ومن ابتلى بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر.

فعلى المؤمن أن لا يفتح باب المعصية على نفسه خوفا مما يؤدي إليه بل ويترك أيضا بعض ما أبيح له في الشرع وذلك هو كمال التقوى قال عليه السلام : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس" وقال صلى الله عليه وسلم "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه" الحديث فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سد للذريعة والعارف متى قصد مخالفة أمره تعالى يجد من قلبه استحياء منه تعالى فينتهي عما نوى وعزم ويجتهد في عبادة ربه.

قال الجنيد رحمه الله العبادة على رؤوس العارفين كالتيجان على رؤوس الملوك ورؤي في يده سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة فقال طريق وصلنا به إلى ما وصلنا لا نتركه أبدا.

قال الشيخ أبو طالب رحمه الله : مداومة الأوراد من أخلاق المؤمنين وطريق العابدين وهي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان.

جزء : 2 رقم الصفحة : 77

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله : سألت أستاذي عن ورد المحققين فقال : إسقاط الهوى ومحبة المولى أبت المحبة أن تستعمل محبا لغير محبوبه وقال الورد رد النفس بالحق عن الباطل في عموم الأوقات فليواظب العبد على الأوراد والطاعات وليجانب المعاصي والسيآت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذات يوم لأصحابه : "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا : إنا نستحي يا رسول الله والحمدقال : "ليس ذلك ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى وليحفظ البطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء"

مبر طاعت نفس شهوت رست

كه هر ساعتي قبله ديكر ست

قال بعض المشايخ : لو أن رجلا عاش مائتي سنة ولا يعرف هذه الأربعة فليس شيء أحق به من النار أحدها معرفة الله تعالى في السر والعلانية وأن لا معطى ولا مانع غيره ، والثاني معرفة عمل الله بأن يعرف أن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لرضي الله تعالى ، والثالث معرفة نفسه بأن يعرف ضعفه أنه لا يستطيع أن يرد شيئا مما قضى الله عليه ، والرابع معرفة عدو الله وعدو نفسه فيحاربه بالمعرفة حتى يكسره فإن المعرفة سلاح العارف فمن كان عنده المعرفة الحقيقية كان غالبا على أعدائه الظاهرة والباطنة ووصل إلى مراده والنفس عين العدو فعليك بالاحتراز من شره

80

ومحاربته كل آن بالذكر والفكر والعمل الصالح عصمنا الله وإياكم من الشرور.

جزء : 2 رقم الصفحة : 77

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٥