تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتاب وحساب وجزاء ﴿ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم﴾ أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك خيرا لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباع العوام ولازدادت رياستهم وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين ﴿منهم المؤمنون﴾ كأنه قيل : هل منهم من آمن أو كلهم على الكفر فقيل : منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وأكثرهم الفاسقون﴾ المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ استثناء مفرغ من المصدر العام أي لن يضروكم أبدا ضررا ما إلا ضرر أذى لا يبالي به من طعن وتهديد لا أثر له ﴿وإن يقاتلوكم﴾ أي إن خرجوا إلى قتالكم ﴿يولوكم الادبار﴾ مفعول ثان لولوكم أي يجعلوا ظهورهم ما يليكم ويرجعوا إلى أدبارهم منهزمين من غير أن ينالوا منكم شيئا من قتل أو أسر ﴿ثم لا ينصرون﴾ عطف على الشرطية وثم للتراخي في المرتبة أي لا ينصرون من جهة أحد ولا يمنعون منكم قتلا وأخذا وفيه تثبيت لمن آمن منهم فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم وبشارة لهم بأنهم لا يقدرون على أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرب يعبأ به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأن عاقبة أمرهم الخذلان والذل فلا ينهضون بجناح ولا ترجع إليهم قوة ونجاح كما كان من حال بني قريظة والنضير وقينقاع ويهود خيبر ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا﴾ أي في أي مكان وأي زمان وجدوا في دار الإسلام الزموا الذل أي هدر النفس والمال والأهل بحيث صار كشيء يضرب على الشيء فيحيط به ﴿إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ استثناء من أعم الأحوال أي ضربت عليهم الذلة ضرب القبة على من هي عليه في جميع الأحوال إلا حال كونهم معتصمين بذمة الله وذمة المسلمين واستعير الحبل للعهد لأنه سبب للنجاة والفوز بالمراد.

وعطف قوله ﴿وحبل من الناس﴾ على قوله : ﴿بحبل من الله﴾ يقتضي المغايرة.

جزء : 2 رقم الصفحة : 77

قال الإمام في وجهه الأمان الحاصل للذمي قسمان : أحدهما الذي نص الله عليه وهو الأمان الحاصل له بإعطاء الجزية عن يد وقبوله إياها ، والثاني الأمان الذي فوض إلى رأي الإمام واجتهاده فيعطيهم الأمان مجانا تارة وببدل زائد أو ناقص أخرى على حسب اجتهاده فالأول هو المسمى بحبل الله والثاني هو المسمى بحبل المؤمنين فالأمانان واقعان بمباشرة المسلمين إلا أنهما متغايران بالاعتبار ﴿وبآءو بغضب من الله﴾ أي رجعوا بغضب كائن منه تعالى مستوجبين له ﴿وضربت عليهم المسكنة﴾ أي زي الافتقار فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم واليهود في غالب الأمر فقراء إما في نفس الأمر وإما أنهم يظهرون من أنفسهم الفقر وإن كانوا أغنياء موسرين في الواقع ﴿ذالك﴾ إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم والبوء بالغضب العظيم ﴿بأنهم كانوا يكفرون باايات الله﴾ أي ذلك الذي ذكر كائن بسبب كفرهم المستمر بآيات الله الناطقة بنبوة محمد عليه السلام وتحريفهم لها ولسائر الآيات القرآنية ﴿ويقتلون الانابيآء بغير حق﴾ أي في اعتقادهم أيضا وهؤلاء المتأخرون وإن لم يصدر عنهم قتل الأنبياء لكنهم كانوا راضين بفعل أسلافهم مصوبين لهم في تلك الأفعال القبيحة وطالبين للقتل لو ظفروا به فكانوا بذلك كأنهم فعلوه بأنفسهم فلذا أسند القتل إليهم ﴿ذالك﴾

79

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٤