تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾ فيقال لهم : ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾ وهم أرباب الطلب السائرون إلى الله الذين انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ تسترون الحق بالباطل وتعرضون عن الحق في طلب الباطل وكنتم معذبين بنار الهجران والقطيعة في الدنيا ولكن ما كنتم تذوقون عذابها لأن الناس نيام والنائم لا يذوق ألم الجراحات حتى ينتبه فإذا ماتوا انتبهوا فيذوقوا ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله ﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففى﴾ هم ﴿فى رحمة﴾ الجمعية والوفاق مع ﴿الله﴾ في الدنيا و﴿هم فيها خالدون﴾ في الآخرة لأنه يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يبعث كل عبد على ما مات عليه" وقال : "من مات سكران فإنه يعاين ملك الموت سكران ويعاين منكر ونكير سكران ويبعث يوم القيامة سكران إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران فيه عين يجري ماؤها دما لا يكون له طعام ولا شراب إلا منه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخبرني جبريل عليه السلام أن لا إله إلا الله أنس للمسلم عند موته وفي قبره وحين يخرج من قبره يا محمد لو تراهم حين يمرقون من قبورهم وينفضون عن رؤوسهم التراب هذا يقول لا إله إلا الله والحمدفيبيض وجهه وهذا ينادي يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله مسودة وجوههم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "النياحة على الميت من أمر الجاهلية وأن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار" وفي التنزيل ﴿الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان﴾ (البقرة : 275) قال أهل التأويل : كلهم يبعث كالمجنون عقوبة لهم وتمقيتا عند أهل الحشر فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم نسأل الله الستر في الدنيا والآخرة وهو الموفق للصالحات من الأعمال والأفعال.

جزء : 2 رقم الصفحة : 77

﴿كنتم خير أمة﴾ كنتم من كان الناقصة التي تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق ويحمل على الدوام أو الانقطاع بحسب معونة المقام ودلالة القرائن فقولك : كان زيد قائما محمول على الانقطاع وقوله تعالى : ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ (الأحزاب : 50) محمول على الدوام ومنه قوله تعالى : ﴿كنتم خير أمة﴾ ﴿أخرجت للناس﴾ صفة لأمة أظهرت لأجلهم ومصلحتهم ونفعهم ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ جملة مستأنفة بين بها كونهم خير أمة كأنه قيل : السبب في كونهم خير الأمم هذه الخصال الحميدة والمقصود بيان علة تلك الخيرية كقولك زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم لأن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يشعر بالعلية ﴿وتؤمنون بالله﴾ أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول

78

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٣