﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله﴾ أي الجنة والنعيم المقيم المخلد عبر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى ﴿هم فيها خالدون﴾ كأنه قيل : كيف يكونون فيها فقيل : هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون ﴿تلك﴾ إشارة إلى الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار وهو مبتدأ ﴿الله إلا﴾ خبره ﴿نتلوها﴾ جملة حالية من الآيات ﴿عليك﴾ أي نقرأها عليك يا محمد بواسطة جبريل ﴿بالحق﴾ حال مؤكدة من فاعل نتلوها أو من مفعوله أي ملتبسين أو ملتبسة بالحق والعدل ليس في حكمها شائبة جور بنقص ثواب المحسن أو بزيادة عقاب المسيء أو بالعقاب من غير جرم بل كل ذلك موفى لهم حسب استحقاقهم بأعمالهم بموجب الوعد والوعيد ﴿وما الله يريد ظلما﴾ أي شيئا من الظلم ﴿للعالمين﴾ لأحد من خلقه كيف والظلم تصرف في ملك الغير وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه أو أنه وضع الشيء في غير موضعه وذلك قد يكون بمنع حق المستحق منه وقد يكون بفعل ما منع منه ولا ينبغي له أن يفعله وكل ذلك لا يتصور في حقه تعالى فيستحيل تصور الظلم من الله فإنه لا حق لأحد فيظلم بمنعه ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله بل هو المالك على الإطلاق وأفعاله محض حكمة وعدل.
جزء : 2 رقم الصفحة : 75
﴿ولله ما فى السماوات وما فى الأرض﴾ أي له تعالى وحده من غير شركة أصلا ما فيهما من المخلوقات الفائتة للحصر ملكا وخلقا إحياء واماتة إثابة وتعذيبا وإيراد كلمة ما إما لتغليب غير العقلاء على العقلاء وإما لتنزيلهم منزلة غيرهم إظهارا لحقارتهم في مقام بيان عظمته تعالى ﴿وإلى الله﴾ أي إلى حكمه وقضائه لا إلى غيره شركة واستقلالا ﴿ترجع الامور﴾ أي أمورهم فيجازي كلا منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل في ذلك لأحد قط.
فإن قيل : الرجوع إليه يكون بعد الذهاب عنه ولم يكن فلم قال ذلك؟ قلنا : كانت كالذاهبة بهلاكها ثم إعادتها لأن في الدنيا يملك بعض الخلق بالتدبير
77
وفي القيامة يكون كل ذلكتعالى.
والإشارة أن الذين تبيض وجوههم يوم القيامة هم الذين ابيضت قلوبهم اليوم بنور الإيمان والجمعية والوفاق مع الله والذين تسود وجوههم يومئذ هم الذين اسودت قلوبهم بالكفر والتفرق والاختلاف من الله وذلك لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله تعالى : ﴿يوم تبلى السرآاار﴾ (الطارق : 9) أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر :
زر اندود كانرا بآتش برند
بديد آيد آنكه كه مس يازرند
جزء : 2 رقم الصفحة : 77