علي رضي الله عنه : لا بد للناس من إمام بار أو فاجر ولم يرسل نبي الله رجلين فصاعدا لشأن إلا وأمر أحدهما على الآخر وأمر الآخر بمتابعته وطاعته ليتحد الأمر وينتظم وإلا وقع الهرج والمرج واضطرب أمر الدين والدنيا واختل نظام المعاش والمعاد قال عليه السلام : "من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة" وقال : "يد الله مع الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الإثنين أبعد" ألا يرى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برياسة القلب وطاعة العقل كيف اختل نظامها وآلت إلى الفساد والتفرق الموجب لخسار الدنيا والآخرة ولما نزل قوله تعالى : ﴿وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (الأنعام : 153) خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا فقال : "هذا سبيل الرشاد" ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال : "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" فعلى العاقل أن يسلك إلى صراط التوحيد ولوازمه وحقوقه ويجتنب عن سبل الشيطان وأسباب الدخول فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس" إلى أن قال : "وحسابهم على الله" أراد بقوله وحسابهم على الله أنه لا يعلم أنهم قالوها معتقدين لها فالمشرك لا قدم له على صراط التوحيد وله قدم على صراط الوجود والمعطل لا قدم له على صراط الوجود فالمشرك ما وحد الله هنا فهو من الموقف إلى النار مع المعطلة ومن هو من أهل النار إلا المنافقين فلا بد لهم أن ينظروا إلى الجنة وما فيها من النعيم فيطمعون فذلك نصيبهم من الجنان ثم يصرفون إلى النار وهذا من عدل الله فقوبلوا بأعمالهم فالشرع هنا هو الصراط المستقيم ولا نزال في كل ركعة من الصلاة نقول : اهدنا الصراط المستقيم فهو أحد من السيف وأدق من الشعر وظهوره على علم وكشف
قال علي كرم الله وجهه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فمن تمسك بالشرع المتين والقرآن المبين واهتدى إلى هذا الصراط المستقيم وتخلص من التفرق الموجب للعذاب الأليم فليس عليه حساب ولا صراط في الآخرة بل هو مع الأنبياء والأولياء في النعيم المقيم ومن زلت قدمه عن الشرع في الدنيا بارتكاب المحظورات زلت في الآخرة أيضا إذ من كان في الدنيا أعمى محجوبا غير واصل كان في الآخرة أيضا كذلك والعياذ بالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الزالون على الصراط كثير وأكثر من يزل عنه النساء" وقال : "رأيت النار وأكثر أهلها النساء فإنهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم إذا رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط" فانظر كيف زلت أقدامهن عن الصراط في الآخرة وما ذلك إلا لكونها زالة عن صراط الشرع في الدنيا بالاعتقاد والأعمال ، ونعم ما قال الجامي :
جزء : 2 رقم الصفحة : 75
عقل زن ناقص است ودينش نيز
هر كزش كامل اعتقاد مكن
كر بدست ازوى اعتبار مكير
ورنكو بروى اعتماد مكن
فإذا وقفت على هذا التفصيل فاجتهد أيها العبد الذليل في طريق المتابعة والموافقة للأنبياء والكاملين وتمسك بذيل شيخ واصل إلى اليقين لعله يجمع بإذن الله شملك بعدما تبدد وصلك وتفرق حالك فإن الطريق المجهول لا بد له من مرشد وإلا فالهلاك عصمنا الله وإياكم من الخلاف والاختلاف وأسلكنا طريق الأخيار من الأسلاف وثبتنا فيه إلى آخر الأجال وحشرنا بأهل
76
الفضل والكمال.
﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ أي اذكروا أيها المؤمنون يوم تبيض وجوه كثيرة وتسود وجوه كثيرة.
وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكمون الخوف فيه يقال لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه ابيض وجهه أي استبشر ولمن وصل إليه مكروه أغبر لونه وتبدلت صورته.
فمعنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات استبشر بنعم الله وفضله وإذا رأى الكافر أعماله القبيحة اشتد حزنه وغمه.
وقيل : بياض الوجه وسواده حقيقتان فيوسم أهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه ويمينه وأهل الباطل بأضداد ذلك والحكمة في ظهورهما في الوجوه حقيقة أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة قال تعالى مخبرا عنه : يا ليت قومى يعلمون * بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين} (يس : 26) والشقي يغتم بعكس ذلك.
﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾ فيقال لهم : ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾ الهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم والظاهر أنهم أهل الكتابين وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل مبعثه عليه السلام أو جميع الكفرة حيث كفروا بعدما أقروا بالتوحيد يوم الميثاق ﴿فذوقوا العذاب﴾ المعهود الموصوف بالعظم ﴿بما كنتم تكفرون﴾ بالقرآن ومحمد عليه السلام.
جزء : 2 رقم الصفحة : 75