تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فأصلحوا بينهما﴾ ثم قال : ﴿فقاتلوا﴾ (الحجرات : 9) والمباشر كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار لأنه معلوم قبحه لكل أحد.

وأما الإنكار الذي بالقتال فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها.

فإن قلت : فمن يؤمر وينهى؟ قلت : كل مكلف وغير المكلف إذا هم بضرر غيره منع كالصبيان والمجانين وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها كما يؤمرون بالصلاة ليمر نوا عليها والعاصي يجب عليه النهي عما ارتكبه إذ يجب عليه تركه والإنكار لا يجب فلا يسقط بترك أحدهما وجوب شيء منهما قال النبي عليه السلام : "إن الله ليؤيد هذا الدين بأهل الفسوق" والتوبيخ في قوله تعالى : ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ (البقرة : 44) إنما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر ، وعن السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا ، وعن بعض الصحابة أن الرجل إذا لم يستطع الإنكار على منكر رآه فليقل ثلاث مرات اللهم إن هذا منكر وإذا فعل ذلك فقد فعل ما عليه :

كرت نهى منكر بر آيد زدست

نشايد وبى دست وايان نشست

74

ودست وزبانرا نماند مجال

بهمت نمايند مردى رجال

يعني إذا لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه ويده فلينكره بقلبه فإن الرجال يرون الرجولية بالهمة ويتضرعون إلى الله في دفع ما لا يقدرون على دفعه.

والإشارة في الآية أن الأمة التي يدعون إلى الخير بالأفعال دون الأقوال هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه والذي يدل عليه ما روى أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعته يقول : "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتزلق أقتابه في النار فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه" والداعي إلى الخير في الحقيقة شيوخ الطريقة فإن من لم يعرف الله لم يعرف الخير إذ الخير المطلق هو الكمال المطلق الذي يكون للإنسان بحسب النوع من معرفة الحق والوصول إليه كما كان للنبي عليه السلام والإضافي ما يتوصل به إلى المطلق فالخير المدعو إليه إما الحق وإما طريق الوصول إليه والمعروف كل ما يقرب إليه والمنكر كل ما يبعد عنه فمن لم يكن له التوحيد والاستقامة لم يكن له مقام الدعوة فغير المستقيم وإن كان موحدا ربما أمر بما هو معروف عنده منكر في نفس الأمر وربما نهى عما هو منكر عنده معروف في نفس الأمر كمن بلغ في مقام الجمع واحتجب بالحق عن الخلق فكثيرا ما يستحل محرما ويحرم حلالا فهم أهل الحجاب وأهل الفلاح المطلق هم الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله في أرضه أوصلنا الله وإياكم إلى معرفة حقيقة الحال وشرفنا بالوصول إلى جنابه المتعال.

جزء : 2 رقم الصفحة : 71

﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا﴾ هم أهل الكتابين حيث تفرقت اليهود والنصارى فرقا ﴿واختلفوا﴾ باستخراج التأليفات الزائغة وكتم الآيات الناطقة وتحريفها بما أخلدوا إليه من حطام الدنيا الدنية.

قال الإمام : تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل.

وأقول : إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة انتهى ﴿منا بعد ما جآءهم البينات﴾ أي الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحاد الكلمة ﴿وأوالائك لهم عذاب عظيم﴾ في الآخرة بسبب تفرقهم فإنه يدوم ولا ينقطع ولما أمر الله هذه الأمة بأن يكونوا آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر وذلك لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادرا على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغلبين ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين فلا جرم حذرهم الله عن التفرقة والاختلاف لكيلا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف.

فعلى المؤمنين أن لا يكونوا ناشيئن بمقتضى طباعهم غير متابعين لإمام ولا متفقين على كلمة واحدة باتباع مقدم يجمعهم على طريقة واحدة فإن لم يكن لهم مقتدى وإمام تتحد عقائدهم وسيرهم وآراؤهم بمتابعته وتتفق كلمتهم في الآخرة على محسوس أوضح من ظهوره في الدنيا ممن دعا إلى الله على بصيرة كالرسول واتباعه الذين ألحقهم الله بدرجات الدنيا في الدعاء إليه على بصيرة كلماتهم وعاداتهم وأهوائهم لمحبته وطاعته كانوا مهملين متفرقين فرائس للشيطان كشريدة الغنم تكون للذئب ولهذا قال أمير المؤمنين

75

جزء : 2 رقم الصفحة : 75

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٦٠