قال أبو مدين رحمه الله : شتان بين من همته الحور والقصور ومن همته رفع الستور ودوام الحضور فطوبى لمن سار إليه بالجذبات الإلهية على قدم التحقيق وطار بتجلي الصفات الربانية وجناح التوفيق.
قال سهل رضي الله عنه : ليس للعبد إلا مولاه وأحسن أحواله أن يرجع إلى مولاه إذا عصى قال : يا رب استر علي فإذا ستر عليه قال : يا رب تب علي فإذا تاب عليه قال : يا رب وفقني حتى أعمل فإذا عمل قال : يا رب وفقني حتى أخلص فإذا أخلص قال : يا رب تقبل مني.
فعلى العاقل أن يتمسك بهذا الحبل المتين.
جزء : 2 رقم الصفحة : 71
﴿ولتكن منكم﴾ أي لتوجد منكم ﴿أمة يدعون إلى الخير﴾ جماعة داعية إلى الخير أي إلى ما فيه صلاح ديني ودنيوي فالدعاء إلى الخير عام في التكليف من الأفعال والتروك ثم عطف عليه الخاص إيذانا بفضله فقال : ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ وهو ما استحسنه الشرع والعقل وهو الموافقة ﴿وينهون عن المنكر﴾ وهو ما استقبحه الشرع والعقل وهو المخالفة ﴿وأوالائك﴾ الموصوفون بتلك الصفات الكاملة والأفراد في كاف الخطاب لأن المخاطب كل من يصلح للخطاب ﴿هم المفلحون﴾ أي هم الاخصاء بكمال الفلاح.
وهم ضمير فصل يفيد اختصاص المسند بالمسند إليه ثم إن من في قوله منكم للتبعيض وتوجيه الخطاب إلى الكل مع اسناد الدعوة إلى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية وأنها واجبة على الكل لكن بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين ولو أخل بها الكل أثموا جميعا لا بحيث يتحتم على الكل إقامتها ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها إلا العلماء بأحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن منكر وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا أو على من الإنكار عليه عبث كالإنكار على أصحاب المآصر والجلادين وأضرابهم.
وقيل : من للتبيين وكان ناقصة أي كونوا أمة يدعون الآية ولا يقتضى ذلك كون الدعوة
73
فرض عين فإن الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطاب للعامة ، عن النبي عليه السلام أنه سئل وهو على المنبر من خير الناس؟ قال : "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهموأوصلهم للرحم"؟ وقال عليه السلام : "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه"؟ ، وعن حذيفة يأتي على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
وعن سفيان الثوري إذا كان الرجل محبا في جيرانه محمودا عند إخوانه فاعلم أنه مداهن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا : مالك؟ قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم" قال صلى الله عليه وسلم "إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعذابه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحشر يوم القيامة ناس من أمتي من قبورهم إلى الله على صورة القردة والخنازير بما داهنوا أهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون" فلا بد من توطين النفس على الصبر وتقليل العلائق وقطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عنه المداهنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء عليهم السلام" قالوا : يا رسول الله كيف؟ قال : "لم يكونوا يغضبونولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر" ثم الأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب وإن كان ندبا فندب.
وأما النهي عن المنكر فواجب كله لأن جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح وطريق الوجوب السمع والعقل وعند البعض السمع وحده وشرط النهي بعد معرفة المنهي عنه أن لا يكون ما ينهى عنه واقعا لأن الواقع لا يحسن النهي عنه وإنما يحسن الذم عليه والنهي عن المعاودة إلى مثله أن يغلب على ظنه وقوع المعصية نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بأعداد آلاته وأن لا يغلب على ظنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة.
فإن قلت : كيف يباشر الإنكار؟ قلت : يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب لأن الغرض كف المنكر قال تعالى :
جزء : 2 رقم الصفحة : 71