تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تموتن على حال من الأحوال إلا حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه فهو في الصورة نهي عن موتهم على غير هذه الحالة والمراد دوامهم على الإسلام ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ أي بدين الإسلام أو بكتابه فلفظ الحبل مستعار لأحد هذين المعنيين فإن كل واحد منهما يشبه الحبل في كونه سببا للنجاة من الردى والوصول إلى المطلوب فإن من سلك طريقا صعبا يخاف أن تزلق رجله فيه فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف كذلك طريق السعادة الأبدية ومرضاة الرب طريق زلق ودواعي الضلال عنها متكثرة زلق رجل أكثر الخلق فيها.

فمن اعتصم بالقرآن العظيم وبقوانين الشرع القويم وبينات الرب الكريم فقد هدي إلى صراط مستقيم وآمن من الغواية المؤدية إلى نار الجحيم كما يأمن المتمسك بالحبل من العذاب الأليم ﴿جميعا﴾ حال من فاعل اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام ﴿ولا تفرقوا﴾

جزء : 2 رقم الصفحة : 71

أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾ متعلق بنعمة ﴿إذ كنتم﴾ ظرف له أي اذكروا إنعامه عليكم وقت كونكم ﴿أعدآء﴾ في الجاهلية بينكم الاحن والعداوة والحروب المتواصلة.

وقيل : هم الأوس والخزرج كانوا أخوين لأب وأم فوقعت بين أولادهما العداوة والبغضاء وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة ﴿فألف بين قلوبكم﴾ بتوفيقكم للإسلام ﴿فأصبحتم﴾ أي فصرتم ﴿بنعمته﴾ التي هي ذلك التألف ﴿إخوانا﴾ خبر أصبحتم أي إخوانا متحابين مجتمعين على الإخوة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحق ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار﴾ شفا الحفرة وشفتها حرفها وجانبها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها تمثيل لحياتهم التي تتوقع بعد الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشرفين على الوقوع فيها ﴿فأنقذكم﴾ أي خلصكم ونجاكم بأن هداكم للإسلام ﴿منهآ﴾ أي الحفرة ﴿كذالك﴾ إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي مثل ذلك التبيين الواضح ﴿يبين الله لكم ءاياته﴾ أي دلائله ﴿لعلكم تهتدون﴾ طلبا لثباتكم على الهدى وازديادكم فيه.

والإشارة أن أهل الاعتصام طائفتان : أحدهما أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال ، والثانية أهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب لأن مشربهم الأحوال فقال تعالى لهم : ﴿واعتصموا بالله﴾ هو مولاكم أي مقصودكم.

وقال للمتعلقين بالأسباب ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ وهو كل سبب يتوسل به إلى الله فالمعتصم بحبل الله هو المتقرب إلى الله بأعمال البر ووسائط القربة وإذا وجد الاعتصام وجد عدم التفرق بخلاف عدم الاعتصام فإنه سبب للتفرق في الظاهر والباطن.

فأما في الظاهر فيلزم منه مفارقة الجماعة فاقتلوه كائنا من كان.

وأما في الباطن فيظهر منه الأهواء المختلفة التي توجب تفرق الأمة كما قال عليه السلام : "ستفترق أمتي اثنتين وسبعين فرقة الناجية منهم واحدة" قالوا : يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟ قال : "من كانوا على ما أنا عليه وأصحابي".

جزء : 2 رقم الصفحة : 71

واعلم أنه تعالى أمر المؤمنين أولا بالتقوى وثانيا بالاعتصام وثالثا بتذكر النعمة لأن فعل الإنسان لا بد وأن يكون معللا إما بالرهبة وإما بالرغبة والرهبة متقدمة على الرغبة لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع كما أن التخلية قبل التحلية فقوله :

72

﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ إشارة إلى التخفيف من عقاب الله ثم جعله سببا للأمر بالتمسك بدين الله ثم أردفه بالرغبة وهي قوله تعالى : ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾ فعلى العاقل الإنقياد لأمر الله والطاعة لحكمه والاعتصام بحبله وعدم التفرق في الدين والتقوى حق التقى من الله سبحانه قيل ونعم ما قيل :

متقى را بود هار نشان

حفظ أحكام شرع أول دان

ثانيا انه دست رس باشد

بر فقيران وبيكسان بخشد

عهدرا با وفا كند يوند

هره باشد ازان شودخر سند

وهذا معنى قول الشيخ النصر آبادي : علامة المتقى أربعة : حفظ الحدود ، وبذل المجهول ، والوفاء بالعهود ، والقناعة بالموجود.

قال القشيري رحمه الله : حق التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قبل نفسه ولا ينقص.

وحق التقوى أولا اجتناب الزلة ، ثم اجتناب الفضلة ، ثم التوقي عن كل خلة ، ثم التنقي عن كل علة فإذا اتقيت عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتقيت حق تقواك انتهى ، فمن بقي فيه شيء من أثر الوجود فقد أشرك شركا خفيا ولم يصل إلى حقيقة الشهود :

حضوري كر همى خواهي ازو غائب مشو حافظ

متى ما تلق من تهوى دع الدنيا وأهملها

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٥٨