تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وكيف تكفرون﴾ إنكار وتعجب ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم﴾ أي القرآن ﴿وفيكم رسوله﴾ والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن القرآن المعجز يتلى عليكم على لسان الرسول غضا طريا وبين أظهركم رسول الله ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم فالعدول عن الإيمان والدخول في الكفر مع تحقق هذه الأمور أبعد وأعجب ﴿ومن يعتصم بالله﴾ أي ومن يتمسك بدينه الحق الذي بينه بآياته على لسان رسوله عليه السلام وهو الإسلام والتوحيد المعبر عنه فيما سبق بسبيل الله ﴿فقد هدى﴾ جواب الشرط.

وقد لافادة معنى التحقق كأن الهدي حصل فهو يخبر عنه حاصلا ومعنى التوقع فيه ظاهر فإن المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للندا أي وفق وأرشد ﴿إلى صراط مستقيم﴾ موصل إلى المطلوب.

جزء : 2 رقم الصفحة : 69

واعلم أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب وباطنه مع العلماء السوء الذين يبيعون الدين بالدنيا ولا يعملون بما يعلمون فهم الذين يكفرون بما جاء به القرآن من الزهد في الدنيا والورع والتقوي ونهى النفس عن الهوى وإيثار ما يفنى على ما يبقى والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود والله شهيد على ما تعملون حاضر معهم ناظر

70

إلى نياتهم في أعمال الخير والشر فيجازيهم بها وهم يصرفون بحرصهم على الدنيا واتباعهم الهوى المؤمنين الذين يتبعونهم بحسن الظن ويحسبون أن أعمالهم وأحوالهم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الحق الذي أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه وهم يطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل وقد وصى الله المؤمنين بقوله : ﴿ياأيها الذين ءامنوا﴾ الآية حتى لا يرتدوا عن طريق الهداية بعد الإيمان بالاتباع بسيرتهم وهو أهم قال تعالى : ﴿ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل﴾ (المائدة : 77) قال بعض المشايخ خير العلم ما كانت الخشية معه وذلك لأن الخشية إنما تنشأ عن العلم بصفات الحق فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله الخشية وشاهد الخشية موافقة الأمر.

وأما العلم الذي تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها وصرف الهمة لاكتسابها ، والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة فما أبعد من هذا علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث وما مثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء إلا كمثل الشمعة تضيء على غيرها وهي تحرق نفسها :

ترك دنيا بمردم آموزند

خويشتن سيم وغله اندوزند

عالمي راكه كفت باشد وبس

ون بكويد نكيرد اندركس

عالم آنكس بود كه بد نكند

نه بكويد بخلق وخود نكند

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه قلوبهم خربة من الهدى ومساجدهم عامرة بأبدانهم شر من تظل السماء يومئذ علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود".

وعن فضيل بن عياض بلغنا أن الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان.

فعلى العاقل أن لا يغتر بظاهر حالهم بل ينظر إلى وهن اعتقادهم وفساد بالهم فيعتبر كل الاعتبار ويتجنب من هذه سيرتهم ويسلك طريق الأخيار ويعتصم بالله بالانقطاع عما سواه ويتمسك بالتوحيد الحقيقي حتى يهتدي إلى الصراط المستقيم فمن انقطع إليه بالفناء في الوحدة كان صراطه صراط الله فلا يصده عنه أحد ولا يضره شيء ولا يضله كيد عدوه وشره فإن من كان مع الله كان الله معه فهو حافظه وناصره وهذا الاستمساك ليس من شأن كل السلاك لكن الله تعالى قادر على أن يأخذ بيد عبده ويوصله إلى مراده وإذا صح الطلب من العبد فلا يحرم الإجابة البتة فإن من طلب وجد وجد ومن قرع بابا ولج ولج عصمنا الله وإياكم من كيد الشيطان ومكر النفس الأمارة بالسوء كل آن آمين يا مستعان.

جزء : 2 رقم الصفحة : 69

يا اأيها الذين ءامنوا اتقوا الله} الاتقاء افتعال من الوقاية وهي فرط الصيانة ﴿حق تقاته﴾ أي حق تقواه وما يجب منها وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم ونحوها فاتقوا الله ما استطعتم يريد بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ أي مخلصون نفوسكمعز وجل لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي

71

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٥٧