قال نجم الدين الكبرى في "تأويلاته" : والإشارة أن الله تعالى جعل البيت والحج إليه وأركان الحج والمناسك كلها إشارات إلى أركان السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه.
فمن أركانه الإحرام وهو إشارة إلى الخروج عن الرسوم وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها والتطهر من الأخلاق وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه.
ومنها الوقوف بعرفه وهو إشارة إلى الوقوف بعرفات المعرفة والعكوف على عقبة جبل الرحمة بصدق الإلتجاء وحسن العهد والوفا.
ومنها الطواف وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول كعبة الربوبية.
ومنها السعي وهو إشارة إلى السير بين صفا الصفات ومروة الذات.
ومنها الحلق وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بموسى أنوار الإلهية وعلى هذا فقس المناسك كلها.
والحج يشير إلى عين الطلب والقصد إلى الله بخلاف سائر أركان الإسلام فإن كل ركن منه يشير إلى طرف من استعداد الطلب فالله تعالى خاطب العباد بقوله : ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وما قال في شيء آخر من الأركان والواجبات ولله على الناس وفائدته أن المقصود المشار إليه من الحج هو الله وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات ، والاستطاعة في قوله ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها ﴿ومن كفر﴾ أي لا يؤمن بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الطاف الرب لا يتقرب بجذبات الألوهية كما يشير إليها أركان الحج ﴿فإن الله غنى عن العالمين﴾ بأن يستكمل بهم وإنما الاستكمال للعالمين به ولا غنى به عنه تعالى جعلنا الله وإياكم من الكاملين والواصلين إلى كعبة اليقين والتمكين.
جزء : 2 رقم الصفحة : 66
﴿قل ياأهل الكتاب﴾ هم اليهود والنصارى سموا بذلك فإن الكتاب لا يختص بالمنزل فنسبوا إلى ما كتبوا سواء كان من إلقاء الروح الأمين أو تلقاء النفس ﴿لم تكفرون باايات الله﴾ توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية والمراد بآياته تعالى ما يعم الآيات القرآنية التي من جملتها ما تلي في شأن الحج وغيره وما في التوراة والإنجيل من شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾ حال من فاعل تكفرون والمعنى لأي سبب تكفرون بآياته عز وجل والحال أنه تعالى مبالغ في الاطلاع على جميع أعمالكم وفي مجازاتكم عليها ولا ريب في أن ذلك يسد
69
جميع أنحاء ما تأتونه ويقطع أسبابه بالكلية
جزء : 2 رقم الصفحة : 69
﴿قل يا اأهل الكتاب لم تصدون﴾ أي تصرفون ﴿عن سبيل الله﴾ أي دينه الحق الموصل إلى السعادة الأبدية وهو التوحيد وملة الإسلام ﴿من ءامن﴾ مفعول تصدون كانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ويقولون إن صفته صلى الله عليه وسلم ليست في كتابهم ولا تقدمت البشارة به عندهم ﴿تبغونها﴾ بحذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير أي تبغون لها لأن البغي لا يتعدى إلا إلى مفعول يقال بغيت المال والضمير للسبيل وهو يذكر ويؤنث أي تطلبون سبيل الله التي هي أقوم السبل ﴿عوجا﴾ اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة بأن تلبسوا على الناس حتى توهموهم أن فيها عوجا بقولكم إن شريعة موسى لا تنسخ وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك والجملة حال من فاعل تصدون.
والعوج بكسر العين وفتحها الميل والانحراف لكن المكسور يختص بالمعاني والمفتوح بالأعيان تقول في دينه وكلامه عوج بالكسر وفي الجدار والقناة والشجر عوج بالفتح ﴿وأنتم شهدآء﴾ حال من فاعل تصدون باعتبار تقيده بالحال الأولى أو والحال أنكم شهداء تشهدون بأنها سبيل الله لا يحوم حولها شائبة إعوجاج وأن الصد عنها إخلال ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ أي من الصد عن سبيله وكتمان الشهادة لنبيه ، ولما وبخ أهل الكتاب بصد المؤمنين نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين فقال : ﴿ياأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا﴾ طائفة وإنما خص فريقا لأن منهم من آمن ﴿من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ قوله كافرين مفعول ثان ليردوكم على تضمين الرد معنى التصيير.
قال عكرمة نزلت في شاس بن قيس اليهودي رأى منتدى محتويا على زخام من أوس وخزرج فغاظه الفتهم فأرسل شابا ينشدهم أشعار يوم بغاث وكان ذلك يوما اقتتل فيه الحيان المذكوران وكان الظفر فيه للأوس فنعر عرق الداء الدفين فتشاجروا فأخبر النبي عليه السلام فخرج يصلح ذات بينهم.