﴿فمن افترى على الله الكذب﴾ أي اختلق عليه سبحانه بزعمه أنه حرم ما ذكر قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن تقدمهم من الأمم ﴿منا بعد ذالك﴾ أي من بعدما ذكر من أمرهم بإحضار التوراة وتلاوتها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزام فأولئك المصرون على الافتراء بعد أن ظهرت حقيقة الحال وضاقت عليهم حيلة المحاجة والجدال ﴿هم الظالمون﴾ المفرطون في الظلم والعدوان المبعدون فيهما.
جزء : 2 رقم الصفحة : 62
﴿قل صدق الله﴾ أي ظهر وثبت صدقه تعالى فيما أنزل في شان التحريم ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ أي ملة الإسلام التي هي في الأصل ملة إبراهيم عليه السلام فإنكم ما كنتم متبعين لملته كما تزعمون ﴿حنيفا﴾ حال من إبراهيم أي مائلا عن الأديان الزائغة كلها ﴿وما كان من المشركين﴾ أي في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا وفيه تعريض بإشراك اليهود وتصريح بأنه عليه السلام ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعا والغرض بيان أن النبي عليه السلام على دين إبراهيم في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة من كل معبود سواه سبحانه وتعالى.
قال نجم الدين في "التأويلات" الإشارة في تحقيق الآيات أن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف : صنف منها الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني وجعل غذاءهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة ، وصنف منها الحيوان الجسماني السفلي الكثيف الظلماني وجعل غداءهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة ، وصنف منها الإنسان المركب من الملكي الروحاني والحيواني الجسماني وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيهم الذكر ولجسمانيهم الطعام وخلقهم للعبادة والمعرفة ، فمنهم ظالم لنفسه وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت حيوانيته أولئك كالأنعام بل هم أضل :
65
مرودري هره دل خواهدت
كه تمكين تن نورجان كاهوت
زدوران بين نامرادي بري
اكرهوه باشد مرادت خوري
كندمر درا نفس أماره خوار
الدهو شمندي عزيزش مدار
دريغ آدمي زادة ر محل
كمحه باشد وانعام بل هم أضل
ومنهم مقتصد وهو الذي تسادت روحانيته وحيوانيته ، نفذي كل واحدة منهما غذاءها ، وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوت عليهم ، ومنهم سابق بالخيرات وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته ، مبالغ في غذاء روحانيته وهو الذكر.
تصرفي غذاء روحانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه ، واستوت نوى روحه ، أولئك هم خير البرية ، فكان كل الطعام حلالا لهم كما كان حلالا للحيوان ، إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح (من قبل) أن ينزل عليه الوحي والإلهام ، كما قيل المجاهدات تورث الشاهدات (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك) بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس (فألئك هم الظالمون) الذين يضعون الشيء في غير موضعه ، وقد قال تعالى : (قل صدق الله) فيما قال : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا) وكان ملته انفاق المال على الضيفان ، بذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان ، وهذه ملة الخلة (وما كان من المشركين) الذي يتخذون مع الله خليلا آخر ويجعلون التركة في الخلة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 62
الرجز بحق مير ودجاده آت
در آتش فشانند سجاده ات
فالأولياء هم الذين يحبون الله ، ومن يحبه الله ، فإن محبة أهل الحق محبة الله وليس فيها شرك ، قال الفضيل بن عياض قدس سره : يقول الله تعالى يوم القيمة : يا ابن آدم أما زهدك في الدنيا فإنما طلبت الراحة لنفسك في الآخرة ، وأا انقطاعك إلي فإنما طلبت العز لنفسك ، لكن هل هاديت لي عدوا أو واليت لي وليا في الله؟ فعلامة اتباع ملة إبراهيم هو الإطاعة للحق ، والتبري من كل دين سوى دين الإسلام ومحبة الأولياء ، وعداوته الأعداء ولو كان المرء آتيا بجميع الطاعات وليس في قلبه خلوص المحبة فإنما يضرب حديدا باردا ، والله تعالى لا يحب القلب المشترك بمحبة غيره من شهوة أو غيرها ؛ قال محمد بن حسان رحمه الله : بينما أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج علي شاب قد أحرقته السموم والرياح ، فلما رآني ولى هاربا ، فتبعته وقلت : عظني بكلمة أنتفع بها ، قال : أحذره تعالى فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبد سواه ؛ فعلى العاقل أن يجتهد في سلوك هذا الطريق إلى أن يصل إلى منزل التحقيق ، ومن الله التوفيق ، في كل أمر خفي وجلي ودقيق.
جزء : 2 رقم الصفحة : 62