تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(إن أول بيت) البيت ما يبيت فيه أحد ثم استعمل في المكان مطلقا (وضع للناس) روي أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته عليه السلام وقالوا : إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، لأنه وضع قبل الكعبة ، وهو أرض المحشر ، ومهاجر الأنبياء وقبلتهم ، والأرض المقدسة التي بارك الله فيها للعالمين ، ففيها الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ، فتحويل القبلة منه إلى الكعبة باطل فنزلت ، أي (إن أول بيت وضع) للعباد وجعل متعبدا لهم ، والواضع هو الله تعالى (للذي ببكة) خير لإن ، أي للبيت الذي في بكة ، وهو علم للبلد الحرام ، من بكة إذا زحمه الازدحام الناس فيه ، ولأنها تبك أعناق الجبابرة.

.

.

إلخ.

66

أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله عز وجل.

وما روي أن الحجاج حبس عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في المسجد الحرام وضرب المنجنيق على أبي قبيس ورمي به داخل المسجد وقتل عبد الله فليس ذلك إضرارا بالبيت وقصدا بالسوء لأن مقصود الحجاج كان أخذ عبد الله.

روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن أول بيت وضع للناس فقال : "المسجد الحرام ثم بيت المقدس" وسئل كم بينهما فقال : "أربعون سنة".

روي أن الله وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا على مثاله فبنوا وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

جزء : 2 رقم الصفحة : 66

وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بالفي عام فلما أهبط آدم إلى الأرض قالت له الملائكة طف حول هذا البيت فلقد طفنا حوله قبلك بألفي عام فطاف به آدم ومن بعده إلى زمن نوح عليه السلام فلما أراد الله الطوفان حمل إلى السماء الرابعة وهو البيت المعمور بحيال الكعبة يطوف به ملائكة السموات.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أول بيت بناه آدم في الأرض فنسبة بناء الكعبة إلى إبراهيم على هذه الروايات ليس لأنه عليه السلام بناها ابتداء بل لرفعه قواعدها وإظهاره ما درس منها فإن موضع الكعبة اندرس بعد الطوفان وبقي مختفيا إلى أن بعث الله جبريل إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت وأمره بعمارته ولما كان الآمر بالبناء هو الله والمبلغ والمهندس هو جبريل عليه السلام والباني هو الخليل والتلميذ المعين له إسماعيل عليهما السلام.

قيل : ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة ﴿مباركا﴾ حال من المستكن في الظرف لأن التقدير للذي ببكة هو أي كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجه واعتمره واعتكف به وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب ﴿وهدى للعالمين﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأن فيه آيات عجيبة دالة على عظيم قدرته وبالغ حكمته كما قال : ﴿فيه ءاياتا بينات﴾ واضحات كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار ومخالطة ضواري السباع الطيور في الحرم من غير تعرض لها وقهر الله تعالى لكل جبار قصده بسوء كأصحاب الفيل ﴿مقام إبراهام﴾ إثر قدميه عليه السلام في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقت وقع الحجارة لبناء الكعبة عند ارتفاعه أو عند غسل رأسه على ما روي أنه عليه السلام جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام إنزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شقي رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه وهو بدل من آيات بدل البعض من الكل ﴿ومن دخله﴾ أي حرم البيت ﴿كان ءامنا﴾ من التعرض له وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام ﴿رب اجعل هاذا البلد ءامنا﴾ (إبراهيم : 35) وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله : من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردة أو زنى فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج وهذا في حق من جنى في الحل ثم التجأ إلى الحرم وأما إذا أصاب الحد في الحرم فيقام عليه فيه فمن سرق فيه قطع ومن قتل فيه قتل قال تعالى :

جزء : 2 رقم الصفحة : 66

﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ (البقرة : 191) أباح لهم القتل عند المسجد الحرام إذا قاتلونا فعلى ذلك يقام

67

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٥٤