كعبه بنياد خليل آزرست
دل نظر كاه جليل اكبرست
جزء : 2 رقم الصفحة : 62
ويقال إذا كنت لاتصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البار وأنت تؤثر عليه حظوظك؟ قال القشيري : من أراد البر فلينفق بعض ما يحبه ومن أراد البار تعالى فلينفق جميع ما يحبه.
قال نجم الدين الكبري في قوله تعالى : ﴿فإن الله به عليم﴾ فبقدر ما تكونون له يكون لكم كما قال : "من كانكان الله له فإن الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه".
قال القاشاني : كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر ولا يمكن التقرب إليه إلا بالتبري مما سواه فمن أحب من دون الله شيئا فقد حجب به عن الله وأشرك شركا خفيا لتعلق محبته بغير الله :
تراهره مشغول دارد زدوست
اكر راست خواهي دلارامت اوست
فلا يزول البعد ولا يحصل القرب إلا ببذل المال والمهجة وقطع محبة غير الله وإفناء النفس بالكلية عن صفاتها الرذيلة :
اكر يارى از خويشتن دم مزن
كه شركست بايار وباخويشتن
﴿كل الطعام﴾ لما نزل قوله تعالى : ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ (النساء : 160) الآية وقوله : ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر﴾ (الأنعام : 146) إلى قوله : ﴿ذالك جزيناهم ببغيهم﴾ (الأنعام : 146) أنكر اليهود وغاظهم ذلك وبرأوا ساحتهم من الظلم وجحدوا ما نطق به القرآن وقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه تلك المطعومات وما هو إلا تحريم قديم كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده وهلم جرا حتى انتهى التحريم إلينا وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا وما عدد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم فقيل : كل المطعومات أو كل أنواع الطعام والطعام المطلق البر والعرف يشهد لكل ما يطعم حتى الماء ﴿كان حلا لبنى إسراءيل﴾ أي حلالا لهم والمراد أكله إذ لا يوصف بنحو الحل والحرمة إلا أفعال المكلف لا الأعيان فشرب الخمر حرام بالذات ونفسها حرام بالعرض ﴿إلا ما حرم إسراءيل على نفسه﴾ استثناء متصل من اسم كان أي كان كل المطعومات حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل أي يعقوب عليه السلام
64
على نفسه وهو الإبل وألبانها.
جزء : 2 رقم الصفحة : 62
روي أن يعقوب عليه السلام كان نذر إن وهب الله له اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة فقال له : يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ثم قال : أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولد لك وجعل الله لك بهذه الغمزة مخرجا من ذلك الذبح ثم إن يعقوب عليه السلام لما قدم بيت المقدس أراد ذبح ولده ونسي قول الملك فأتاه الملك فقال : إنما غمزتك للمخرج وقد وفى نذرك فلا سبيل لك إلى ولدك ثم إنه حين ابتلى بذلك المرض لقي من ذلك بلاء وشدة وكان لا ينام الليل من الوجع فحلف لئن شفاه الله لا يأكل أحب الطعام إليه فحرم لحوم الإبل وألبانها إما حمية الدين أو حمية النفس وتحريم الحلال على نفسه جائز للكل وفيه كفارة اليمين ﴿من قبل أن تنزل التورااة﴾ متعلق بقوله كان حلا ولا ضير في توسيط الاستثناء بينهما لمعنى أن المطعومات كانت حلا لهم قبل نزول التوراة ثم حرمت بسبب بغيهم وظلمهم فكيف يكون ذلك حراما على نوح وإبراهيم وغيرهما.
وظاهر الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه قد حرمه الله على بني إسرائيل وهو رد على اليهود في دعواهم البراءة من الظلم وتبكيت لهم في منع النسخ والطعن في دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم موافقته لإبراهيم عليه السلام بتحليله لحوم الإبل وألبانها ﴿قل فأتوا بالتورااة فاتلوهآ﴾ أمره عليه السلام بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بأن تحريم ما حرم تحريم حادث مرتب على ظلمهم وبغيهم ويكلفهم إخراجه وتلاوته ليبكتهم ويلقمهم الحجر ويظهر كذبهم ﴿إن كنتم صادقين﴾ فائتوا بالتوراة فاتلوها فإن صدقكم مما يدعوكم إلى ذلك البتة.
روي أنهم لم يجترئوا على إخراج التوراة فبهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وجواز النسخ الذي يجحدونه ما لا يخفى.