تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعني أن النفس الأمارة بالسوء والعيب ما قبلت الوعظ من نذير الشيب فتمادت في غواية الجهل بعد الهرم وما كبحت عنان جماح الشهوة بأيدي الندم وقد خلق الله النفس على صورة جهنم وخلق بحسب كل دركة فيها صفة لها وهي باب من جهنم يدخل فيها من هذا الباب إلى دركة من دركاتها السبع وهي سبع صفات الكبر والحرص والشهوة والحسد والغضب والبخل والحقد فمن زكى نفسه عن هذه الصفات فقد عبر عن هذه الدركات السفلية ووصل إلى درجات الجنان العلوية كما قال الله تعالى : "قد أفلح من زكاها" ومن لم يزك نفسه عن هذه الصفات بقي في دركات جهنم خائبا خاسرا كما قال تعالى : ﴿وقد خاب من دسااها﴾ (الشمس : 101) عصمنا الله وإياكم من كيد النفس الأمارة وشر الشيطان وأصلح حالنا ما دامت الأرواح في الأبدان آمين يا مستعان.

جزء : 2 رقم الصفحة : 60

﴿لن تنالوا البر﴾ من ناله نيلا إذا أصابه أي لن تبلغوا أيها المؤمنون حقيقة البر الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تدركوا شأوه ولن تلحقوا بزمرة الأبرار أولن تنالوا بر الله تعالى وهو ثوابه ورحمته ورضاه وجنته ﴿حتى تنفقوا﴾ أي في سبيل الله رغبة فيما عنده ﴿مما تحبون﴾

62

أي بعض ما تهوونه ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبها إليكم أو ما يعمها وغيرها من الأعمال والمهجة على أن المراد بالانفاق مطلق البذل.

وفيه من الإيذان بعزة منال البر ما لا يخفى ﴿وما تنفقوا من شىء﴾ أي أي شيء تنفقوا طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه فمحل الجار والمجرور النصب على التمييز ﴿فإن الله به عليم﴾ تعليل لجواب الشرط واقع موقعه أي فمجازيكم بحسبه جيدا كان أو رديئا فإنه تعالى عليم بكل شيء تنفقونه علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شيء من ذاته وصفاته.

وفيه من الترغيب في اتفاق الجيد والتحذير من إنفاق الرديء ما لا يخفى ، فالوصول إلى المطلوب لا يحصل إلا بالانفاق المحبوب ولذلك كان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوهذخيرة ليوم يحتاجون إليه والإنسان لا ينفق محبوبه إلا إذا أيقن أنه يتوصل بذلك إلى وجدان محبوب أشرف من الأول فالإنسان لا ينفق محبوبه في الدنيا إلا إذا تيقن بوجود الصانع العالم القادر وتيقن بالبعث والحساب والجزاء وأن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولزم منه أن الإنسان لا يمكنه إنفاق محبوبه في الدنيا إلا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة في الدين فلا تقتضي الآية أن من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات.

جزء : 2 رقم الصفحة : 62

روي أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال : يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء وهو ضيعة له في المدينة مستقبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال صلى الله عليه وسلم "بخ بخ ذاك مال رابح أو رائج فإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها في أقاربه" وفيه دلالة على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل.

وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كانت لزوجته جارية بارعة في الجمال وكان عمر راغبا فيها وكان قد طلبها منها مرارا فلم تعطه إياها.

ثم لما ولي الخلافة زينتها وأرسلتها إليه فقالت : وهبتكها يا أمير المؤمنين فلتخدمك قال : من أين ملكتها؟ قالت : جئت بها من بيت أبي عبد الملك ففتش عن تملكه إياها فقيل : إنه كان على فلان العامل ديون فلما توفي أخذت من تركته ففتش عن حال العامل وأحضر ورثته وأرضاهم جميعا بإعطاء المال ثم توجه إلى الجارية وكان يهواها هوى شديدا فقال : أنت حرة لوجه الله فقيل : لم يا أمير المؤمنين وقد أزحت عن أمرها كل شبهة قال : لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى.

يحكى أن الربيع ضربه الفالج فكان السائل يقوم على بابه فيسأل فيقول الربيع : أطعميه السكر فإن الربيع يحب السكر يتأول قوله ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وطال به وجعه فاشتهى لحم دجاج فكف نفسه أربعين يوما فأبت فقال لزوجته : قد اشتهيت لحم دجاج منذ أربعين يوما فكففت نفسي رجاء أن تكف فأبت فقالت امرأته سبحان الله وأي شيء هذا تكف نفسك عنه وقد أحله الله تعالى لك؟ فأرسلت امرأته إلى السوق فاشترت له دجاجة بدرهم ودانقين فذبحتها وشوتها وخبزت له خبزا وجعلت له أصباغا ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه فقام سائل على الباب فقال تصدقوا علي بارك الله فيكم فكف عن الأكل وقال لامرأته خذي هذا وادفعيه إليه فقالت له امرأته سبحان الله قال : افعلي ما آمرك به قالت : فاصنع ما هو خير له قال : وما هو؟ قالت نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك قال : قد

63

أحسنت ائتني بثمنه فجاءت بثمنه فقال : ضعيه على هذا وخذيه وادفعيه جميعا ففعلت.

بءحساني آسوده كردن دلى

به از الف ركعت بهر منزلي

وقيل في هذا المعنى :

دل بدست آوركه حج اكبر ست

از هزاران كعبه يك دل بهترست

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٥١