تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل﴾ لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية دخلت الفاء ههنا إيذانا بسببية المبتدأ لخبره ﴿من أحدهم﴾ فدية ﴿ملء الارض ذهبا﴾ تمييز أي ما يملأون من شرقها إلى غربها ﴿ولو افتدى به﴾ أي بملىء الأرض ذهبا.

فإن قيل نفي قبول الافتداء يوهم أن الكافر يملك يوم القيامة من الذهب ما يفتدى به وهو لا يملك فيه نقيرا ولا قطميرا فضلا عن أن يملك ملىء الأرض ذهبا.

قلنا : الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير فالذهب كناية من أعز الأشياء وكونه ملىء الأرض كناية عن كونه في غاية الكثرة والتقدير لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء بالغا إلى غاية الكثرة وقدر على بذله لنيل أعز المطالب لا يقدر على أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله تعالى والمقصود بيان أنهم آيسون من تخليص أنفسهم من العقاب ﴿أولئك﴾ إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بالصفات الشنيعة المذكورة ﴿لهم عذاب أليم﴾ أي مؤلم ﴿وما لهم من ناصرين﴾ في دفع العذاب عنهم أو في تخفيفه ومن مزيدة للاستغراق وصيغة الجمع لمراعاة الضمير أي ليس لواحد منهم ناصر واحد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفدي به؟ فيقول : نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي".

قال الإمام : اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام : أحدها لذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله في قوله : ﴿إلا الذين تابوا منا بعد ذالك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ ، وثانيها الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله تعالى في الآية المتقدمة وقال : ﴿لن تقبل توبتهم﴾ ، وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة البتة وهو المذكور في هذه الآية ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ الآية انتهى وهم الذين رسخت هيئة استيلاء النفوس الأمارة على قلوبهم وتمكنت وصارت رينا وتناهوا في الشر والغي وتمادوا في العناد والبغي فلن يقبل من أحدهم ملىء الأرض إذ لا يقبل هناك إلا الأمور النورانية الباقية لأن الآخرة هي عالم النور والبقاء فلا وقع ولا خطر للأمور الظلمانية الفانية فيها وهل كان سبب كفرهم واحتجابهم إلا محبة هذه العوائق الفانية فكيف تكون فداءهم وسبب نجاتهم وقربهم وقبولهم وهي بعينها سبب هلاكهم وبعدهم وخسرانهم وحرمانهم فإياك من أوصاف الكفر وهي حب الدنيا واتباع الهوى والإقبال على شهوات النفس والإعراض عن الحق.

جزء : 2 رقم الصفحة : 60

تراشهوت وكبر وحرص وحسد

وخون درركند ووجان در جسد

يعني كما أن الدم سارى في العروق وجاري فيها وكذا الروح في الجسد فكذلك هذه الصفات الذميمة محيطة بك.

61

كراين دشمنان تقويت يافتند

سر ازحكم ورأى توبر تافتند

هوا وهوس را نماند ستيز

وبينند سرنة عقل تيز

يعني إذا كان المرء تابعا للشرع وقضية العقل يكون غالبا على هواه فلا تجادله الصفات السبعية الشيطانية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخوف ما أخاف على أمتي اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسى الآخرة".

قال ذو النون المصري مفتاح العبادة الفكرة وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى ومخالفتها ترك شهواتها.

قال جعفر بن نصير دفع إلي الجنيد درهما فقال : اشتر به التين الوزيري فاشتريته فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فيه ثم ألقاها وبكى وقال : احمله فقلت له في ذلك فقال : هتف في قلبي أما تستحي شهوة تركتها من أجله تعالى ثم تعود إليها.

قال أبو سليمان الداراني رحمه الله من أحسن في ليله كوفي في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفي في ليله ، ومن صدق في ترك شهوة كفى مؤونتها والله أكرم من أن يعذب قلبا ترك شهوة لأجله.

واعلم أن النفس عين لطيفة هي معدن الأخلاق الذميمة مودعة بين جنبي الإنسان أي جميع جسده وهي أمارة بالسوء وهي مجبولة على صد الروحانية المخلوقة من الملكوت الأعلى فإنهم يأمرون بالخير وينهون عن الشر وهي مخلوقة من الملكوت السفلي كالشياطين وهم لا يأمرون إلا بالشر ومن طبعهم التمرد والإباء والاستكبار ولهذا تأبى النفس من قبول الموعظة وتظهر التمرد كما قال الشيخ في قصيدة البردة :

فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت

من جهلها بنذير الشيب والهرم

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٥٠