تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعني لا تصل إلى الحضور الباقي والحياة الأبدية إلا بإفناء وجودك في وجود الحق وتبديل الأخلاق الذميمة بالأخلاق الحميدة فإذا جاوزت هذا الصراط الأدق وصلت إلى الجناب المطلق.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" أي لا تركن إليها ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله "وعد نفسك من أصحاب القبور" وفيه إشارة إلى الفناء عن إضافة الوجود إلى نفسه بل الوجود كلهتعالى فالبدن للروح بمنزلة القبر للميت فكما أن الميت في قبره يسلم لأمر مولاه ولا يتعرض إلى شيء أصلا كذلك ينبغي أن لا يتعرض العبد لشيء من الآفات البدنية والقلبية بل يدور حيث أوقفه الله من الفطرة الأصلية والشهود التام وقل من سلم من هذه الآفات إلا أن العبد بالتوبة يتدارك ما فات فإياك أن ترخص لنفسك في فعل شر فإذا قد فتحت بابه فأول الشر الخطرة كما أن أول السيل القطرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بال أقوام يشرفون المسرفين ويستخفون بالعابدين يعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم وما خالف أهواءهم تركوه فعند ذلك يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض يسعون فيما يدرك من القدر المحتوم والرزق المقسوم والأجل المكتوب ولا يسعون فيما لا يدرك إلا بالسعي من الأجر الموفور والسعي المشكور والتجارة التي لا تبور" فإذا وقفت على هذا جعلت سعيك للآخرة لا للدنيا بل لم تطلب من الله إلا الله رزقنا الله وإياكم ذلك آمين.

جزء : 2 رقم الصفحة : 58

﴿إن الذين﴾ كاليهود ﴿كفروا﴾ بعيسى والإنجيل ﴿بعد إيمانهم﴾ بموسى والتوراة ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾ حيث كفروا بمحمد عليه السلام والقرآن أو كفروا به عليه السلام بعدما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالإصرار عليه والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق ﴿لن تقبل توبتهم﴾ لأنهم لا يتوبون إلا عند إشرافهم على الهلاك فكني عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من

60

الرحمة أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا وذلك لم تدخل فيه الفاء ﴿وأولئك هم الضآلون﴾ على سبيل الكمال فهو من قبيل حصر الكمال وإلا فكل كافر ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافرا في الأصل ومن جملة كمالهم في الضلال ثباتهم عليه وعدم كون الاهتداء متوقعا منهم.

جزء : 2 رقم الصفحة : 60

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤٩