تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وما يعلم تأويله﴾ أي تأويل المتشابه ﴿إلا الله والراسخون في العلم﴾ أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا في العلم أي ثبتوا فيه وتمكنوا أو فوضوا فيه لنص قاطع ومنهم من يقف على قوله : ﴿إلا الله﴾ ويبتدىء بقوله : ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه﴾ ويفسرون المتشابه بما استأثر الله

5

بعلمه وبمعرفة الحكمة فيه من آياته كعدد الزبانية في قوله : ﴿عليها تسعة عشر﴾ ومدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة والصوم وعدد الركعات في الصلوات الخمس والأول هو الوجه فإن الله تعالى لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينتفع به عباده ويدل به على معنى أراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وهل يجوز أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه وإذا جاز أن يعرفه مع قوله تعالى : ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته وإن لم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والعلماء الراسخون وقالوا : علمه عند ربنا لم يكن لهم فضل على الجهال لأنهم جميعا يقولون ذلك قالوا : ولم يزل المفسرون إلى يومنا هذا يفسرون ويؤولون كل آية ولم نرهم وقفوا عن شيء من القرآن فقالوا : هذا متشابه لا يعلمه إلا الله بل فسروا نحو حروف التهجي وغيرها ﴿يقولون ءامنا به﴾ أي بالمتشابه والجملة على الأول استئناف موضح لحال الراسخين وعلى الثاني خبر لقوله والراسخون ﴿كل﴾ أي كل واحد من المحكم والمتشابه ﴿من عند ربنا﴾ منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما ﴿وما يذكر﴾ حق التذكر ﴿إلا أولوا الالباب﴾ أي العقول الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائغة وهو مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر وإشارة إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقل عن غواشي الحس.

جزء : 2 رقم الصفحة : 4

﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ أي يقولون : لا تمل قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه ﴿بعد إذ هديتنا﴾ إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان ﴿وهب لنا من لدنك﴾ أي من عندك ﴿رحمة﴾ واسعة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك ﴿إنك أنت الوهاب﴾ وإطلاق الوهاب لتناول كل موهوب.

وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله وأنه متفضل بما ينعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء ﴿ربنآ إنك جامع الناس﴾ بعد الموت ﴿ليوم﴾ أي لجزاء يوم وحسابه وهو يوم القيامة ﴿لا ريب فيه﴾ أي في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسنى عندهم ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ الوعد يعني الألوهية تنافي خلف الوعد في البعث واستجابة الدعاء وهذا حال الراسخين في الدعاء فانظر كيف لا يأمنون سوء الخاتمة وأداهم الخوف والخشية إلى الرجاء فإياك والزيغ عن الصراط المستقيم باتباع الهوى والشهوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإذا شاء أزاغه" يعني قلب المؤمن بين توفيقه وخذلانه وإنما قال من أصابع الرحمن ولم يقل من أصابع الله إشعارا بأنه هو المتمكن من قلوب العباد والمتصرف فيها كيف يشاء ولم يكلها إلى أحد من ملائكته رحمة منه وفضلا لئلا يطلع على سرائرهم غيره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك" والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين إلى يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم "مثل القلوب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن".

قال الجنيد رحمه الله : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح في بدنه وقلبه فليعتزل الناس فإن هذا

6

زمان وحشة والعاقل من اختار الوحدة قال عليه السلام لأصحابه : "أين تنبت الحبة" قالوا في الأرض قال : "فكذلك الحكمة إنما تنبت في قلب مثل الأرض" فدفن حبة الفؤاد والوجود في أرض الخمول مما ينتج ويتم نتاجه جدا فما نبت مما لم يدفن لم يتم نتاجه وإن ظهر نوره وإنتاجه كالذي ثبت في حميل السيل.

فعليك بتزكية النفس وإصلاح الوجود كي تدرك نور الشهود وتقبل إلى الاستقامة وتخلص من الزيغ والضلال في جميع الأحوال وكم من زائع قلبه وهو صورة مستقيم وكم من مستقيم فؤاده وهو في الظاهر غير مستقيم ، كما قيل :

جزء : 2 رقم الصفحة : 6

بس قامت جاشاك كه برجا باشد

ون باد بر آنها بوزد نا باشد

والقلب هو محل النظر لا الصورة كما قال عليه السلام : "إن الله لا ينظر إلى صوركم بل إلى قلوبكم وأعمالكم" فأي فائدة في القلب الزائع عن الحق فنعوذ بالله منه.

جزء : 2 رقم الصفحة : 6

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٥