تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة أن الله تعالى كما يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينات فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق والمريد يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهي بمثابة ملك الأرحام ويضبط أحوال ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة كيلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منها سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره فالله تعالى يصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحولها من حال إلى حال وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر إلى عالم الإنس بقدم الأربعينات الأولى فلما وصل إلى مقامه الأول أيضا بقدم الأربعينات كما جاء تم خلق الجنين في رحم القلب وهو يجعل خليفة الله في أرضه فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأبناء أوليائه وهو روح القدس الذي هو متولى إلقائه كقوله تعالى : ﴿يلقى الروح من أمره على من يشآء من عباده﴾ (غافر : 15) وقال :

4

﴿كتب فى قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه﴾ (المجادلة : 22) ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة أهبط الأرواح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد كما قال : ﴿اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (البقرة : 38) فإذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون فاحفظه تفهم إن شاء الله تعالى كذا في "تأويلات الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى" أفاض الله علينا من سجال معارفه وحقائقه ولطائفه آمين ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب﴾ أي القرآن ﴿منه﴾ أي من الكتاب ﴿محكمات هن﴾ أي قطعية الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه ﴿هن أم الكتاب﴾ أي أصل فيه وعمدة يرد إليها غيرها بالتأويل فالمراد بالكتاب كله والإضافة بمعنى في ﴿وأخر﴾ أي ومنه آيات أخر ﴿متشابهات﴾ أي محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق فالتشابه في الحقيقة وصف للمعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول.

جزء : 2 رقم الصفحة : 4

واعلم أن اللفظ إما أن لا يحتمل غير معنى واحد أو يحتمل.

والأول هو النص كقوله تعالى : ﴿وإلاهكم إلاه واحد﴾ (البقرة : 163).

والثاني إما أن تكون دلالته على مدلوليه أو مدلولاته متساوية أو لا والأول هو المجمل كقوله تعالى : ﴿ثلاثة قرواء﴾ (البقرة : 228).

وأما الثاني فهو بالنسبة إلى الراجح ظاهر كقوله تعالى : ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءابآؤكم من النسآء﴾ (النساء : 22) وبالنسبة إلى المرجوح مؤول كقوله تعالى : ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (الفتح : 10) والنص والظاهر كلاهما محكم والمجمل والمؤول متشابه وهو كقوله تعالى : ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (البقرة : 115) قد رد إلى قوله تعالى : ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ ثم إن الله تعالى جعل القرآن كله محكما في قوله ﴿الارا كتاب أحكمت ءاياته﴾ (هود : 1) ومعناه أن كله حق لا ريب فيه ومتقن لا تناقض فيه ومحفوظ من اعتراء الخلل أو من النسخ.

وجعله كله متشابها في قوله : ﴿كتابا متشابها مثاني﴾ (الزمر : 23) ومعناه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة النظم وحقيقة المدلول وجعل بعضه محكما وبعضه متشابها في هذه الآية وقد سبق وإنما لم يجعل الله القرآن كله محكما لما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه كابتلاء بني إسرائيل بالنهر في اتباع نبيهم ولأن النظر في المتشابه والاستدلال لكشف الحق يوجب عظم الأجر ونيل الدرجات عند الله ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ معرضين عن المحكمات أي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطل لا تحريا للحق بعد الإيمان بكونه من عند الله تعالى بل ﴿ابتغآء الفتنة﴾ أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه ﴿وابتغآء تأويله﴾ أي طلب أن يؤولوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة والحال أنهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل

جزء : 2 رقم الصفحة : 4

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤