﴿أولئك﴾ المذكورون باعتبار اتصافهم بما مر من الصفات الشنيعة ﴿جزآؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ وهو إبعاده من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب ﴿والملائكة﴾ ولعنهم بالقول كالناس ﴿والناس أجمعين﴾ والمراد بالناس المؤمنون لأنه لو أريد به جميع الناس لزم أن يلعن كل واحد منهم جميع من يوافقهم ويخالفهم ولا وجه لأن يلعن الإنسان من يوافقه ويحتمل أن يراد به الجميع بناء على أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك.
﴿خالدين فيهآ﴾ حال من الضمير في عليهم أي في اللعنة والعقوبة ومعنى الخلود في اللعن أنهم يوم القيامة لا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار ولا يخلو شيء من أحوالهم من اللعنة ﴿لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ الإنظار التأخير أي لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت فإن العذاب الملحق بالكفار مضرة خالصة من شوائب المنافع دائمة غير منقطعة نعوذ بالله من ذلك وما يؤدي إليه.
﴿إلا الذين تابوا منا بعد ذالك﴾ أي من بعد الارتداد ﴿وأصلحوا﴾ أي ما أفسدوا ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم وعطف قوله ﴿وأصلحوا﴾ على قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ يدل على أن التوبة وحدها وهي الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه في المستقبل لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح أي وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ومع الخلق بالمعاملات وهذا الندم والتوبة إنما يحصل لمن لم ترسخ فيه بعد هيئة استيلاء النفس الأمارة على قلبه ولم تصر رينا وبقي فيه من وراء حجاب صفات النفس مسكة من نور استعداده فيتداركه الله برحمته وتوفيقه فيندم ويواظب على الرياضات من باب التزكية والتصفية.
يحكى عن السري السقطي؟ قدس سره أنه قال : قلت يوما عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان الغداة وصليت الغداة إذا أنا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابة فنزل وقال : أيكم السري السقطي فأومأ
59
جلسائي إلي فسلم علي وجلس وقال : سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما أردت به؟ فقلت : ما ضعيف أضعف من ابن آدم ولا قوي أقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه إلى معصية الله قال : فبكى ثم قال : يا سري هل يقبل ربك غريقا مثلي؟ قلت : ومن ينقذ الغرقي إلا الله تعالى قال : يا سري إن علي مظالم كثيرة كيف أصنع؟ قال : إذا صححت الانقطاع إلى الله أرضى عنك الخصوم بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولي الله تقول الملائكة لهم : لا تروعوا ولي الله فإن الحق اليوم على الله فيهب الله لهم مقامات عالية بدل حقوقهم فيتجاوزون عن الولي" قال : فبكى ثم قال : صف لي الطريق إلى الله فقلت : إن كنت تريد طريق المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وإن كنت تريد طريق الأولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق ، فعلى السالك أن يتوب من جميع الآثام ولا يشغل سره سوى مشاهدة الله العلام.
جزء : 2 رقم الصفحة : 58
بهشت تن اساني آنكه خوري
كه بردوزخ نيستي بكذري