﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيان﴾ قال قوم إن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة أن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه وإن لم يدركه أن يأمر قومه بالإيمان به وبنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ومن عيسى أن يؤمن بمحمد عليه السلام وإذا كان هذا حكم الأنبياء كان الأمم بذلك أولى وأحرى أي اذكر يا محمد وقت أخذ الله ميثاق الأنبياء وأممهم ﴿لمآ ءاتيتكم﴾ اللام موطئة لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما مبتدأ موصولة وآتيتكم صلتها والعائد محذوف تقديره للذي آتيناكموه ﴿من كتاب وحكمة﴾ وهي بيان أحكام الحلال والحرام والحدود حال من الموصول ﴿ثم جآءكم رسول﴾ عطف على الصلة والمعطوف على الصلة صلة فلا بد من الرابط فالتقدير رسول به ﴿مصدق لما معكم﴾ من الكتاب ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ جواب قسم مقدر وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ والله لتصدقنه برسالته وتنصرنه على أعدائه لإظهار دين الحق.
فإن قيل : ما وجه قوله تعالى : ﴿ثم جآءكم رسول﴾ والرسول لا يجيىء إلى النبيين وإنما يجيىء إلى الأمم؟ والجواب إن حملنا قوله : ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيان﴾ على أخذ ميثاق أممهم فقد اندفع الأشكال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين أنفسهم كان معنى قوله : ﴿ثم جآءكم﴾ أي جاء في زمانكم ﴿قال﴾ أي الله تعالى بعدما أخذ الميثاق ﴿ءأقررتم﴾ أي بالإيمان والنصر له والاستفهام للتقرير والتأكيد عليهم لاستحالة حقيقة الاستفهام في حقه تعالى ﴿وأخذتم على ذالكم﴾ الميثاق ﴿إصرى﴾ أي عقدي الذي عقدته عليكم.
والإصر الثقل الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلازمه من العمل والإصر ههنا العهد الثقيل لأنه ثقل على صاحبه من حيث أنه يمنع عن مخالفته إياه ﴿قالوا أقررنا﴾ بذلك واكتفى به عن ذكر أخذهم الإصر ﴿قال﴾ سبحانه وتعالى ﴿فأشهدوا﴾ أيها الأنبياء والأمم بإقرار بعضكم على بعض ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾ أي وأنا أيضا شاهد على إقراركم ذلك مصاحب لكم وإدخال مع علي المخاطبين لما أنهم المباشرون للشهادة حقيقة والمقصود منه التأكيد والتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
جزء : 2 رقم الصفحة : 56
﴿فمن تولى﴾ أي أعرض عما ذكر ﴿بعد ذالك﴾ الميثاق والتوكيد والإقرار والشهادة ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ المتردون الخارجون عن الطاعة من الكفرة فإن الفاسق من كل طائفة من كان متجاوزا عن الحد.
قال في "التيسير" والتولي لا يقع من الأنبياء ولا يوصفون بالفسق لكن له وجهان : أحدهما أن الميثاق كان على الأنبياء وأممهم على التبعية والتولي من الأمم خاصة ، والثاني أن العصمة
56