تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تزيل المحنة انتهى وهذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد عليه السلام في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين الله ومعبودا سوى الله بقوله تعالى : ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ عطف على مقدر أي أيتولون فيبغون غير دين الله ويطلبونه ﴿وله أسلم﴾ أيأخلص وانقاد ﴿من فى السماوات والارض﴾ أي أهلهما ﴿طوعا﴾ وهم الموحدون ﴿وكرها﴾ أي بإباء وهم الجاحدون بما فيهم من آثار الصنع ودلائل الحدوث وتصريفهم كيف يشاء إلى صحة ومرض وغنى وفقر وسرور وحزن وسائر الأحوال فلا يمكنهم دفع قضائه وقدره ﴿وإليه يرجعون﴾ أي من فيهما والمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه من حيث لا يملك الضر والنفع سواه وهذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق.

فعلى العاقل أن يطيع ربه ولا يعصيه بنقض ما عهد إليه يوم الميثاق.

فعهد الله مع الأنبياء والأولياء والمؤمنين التوحيد وإقامة الدين وعدم التفرق فيه وتصديق بعضهم بعضا ودعوة الخلق على الطاعة وتخصيص العبادة بالله فالله تعالى لا يطلب من العبد إلا الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية قال الشيخ الشاذلي قدس سره : متى رزقك الله الطاعة والفناء به عنها فقد أسبغ عليك نعمة ظاهرة ، إذ أراح ظاهرك من مخالفة أمره.

وباطنة إذ رزقك الاستسلام لقهره ، وهذا هو مطلب الحق منك.

قيل لابراهيم بن أدهم قدس سره : لو جلست لنا في المسجد حتى نسمع منك شيئا فقال : إني مشغول عنكم بأربعة أشياء فلو تفرغت منها لجلست معكم قيل وما هي يا أبا إسحاق؟ قال : أولها أني تذكرت حين أخذ الله الميثاق على آدم فقال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي فلم أدر من أي الفريقين كنت ، الثاني أني تفكرت أن الولد إذا قضى الله سبحانه بخلقه في بطن أمه ونفخ فيه الروح فيقول الملك الموكل به يا رب أشقي أم سعيد؟ فلم أدر كيف خرج جوابي في ذلك الوقت ، الثالث حين ينزل ملك الموت فإذا أراد أن يقبض الروح فيقول : يا رب أقبضها مع الإسلام أو مع الكفر فلا أدري كيف يخرج جوابي في ذلك الوقت ، الرابع تفكرت في قوله : ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ (يس : 59) فلا أدري من أي الفرين أكون؟ ففي هذا شغل شغلني عن الجلوس لكم والحديث معكم

جزء : 2 رقم الصفحة : 56

ففي هذا الإشارة إلى أن العبد مع كونه مستسلما لقضاء الله لا بد وأن يراعي وظيفة التكليف إذ الخير أو الشر مقضي في حقه ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فليجاهد العاقل في تزكية نفسه أولا ثم الوصية إلى عباد الله ولا يكلف المرء إلا بقدر وسعه والناس في المراتب مختلفون فطوبى لمن وصل إلى أعلى المطالب :

بقذر حوصله خويش دانه يند مرغ

بصعوه نتوان داد طمعه شبهاز

وقيل للشيخ الصفي قدس سره : إذا قطع الطالب المنازل فهل يبقى بعد ذلك مرتبة لم يصل إليها بعد؟ قال : بلى يبقى علم أنه هل كان مقبولا للرب تعالى أولا ، وفي القشيري ما حاصله أن الولي في الحال يجوز أن يتغير حاله في المآل ويجوز أن يكون من جملة كرامات الولي أن يعلم أنه مأمون العاقبة عصمنا الله وإياكم بحسن الخاتمة.

57

همه عالم همي كويند هر آن

كه يا رب عاقبت محمود كردان

جزء : 2 رقم الصفحة : 56

ففي هذا الإشارة إلى أن العبد مع كونه مستسلما لقضاء الله لا بد وأن يراعي وظيفة التكليف إذ الخير أو الشر مقضي في حقه ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فليجاهد العاقل في تزكية نفسه أولا ثم الوصية إلى عباد الله ولا يكلف المرء إلا بقدر وسعه والناس في المراتب مختلفون فطوبى لمن وصل إلى أعلى المطالب :

بقذر حوصله خويش دانه يند مرغ

بصعوه نتوان داد طمعه شبهاز

وقيل للشيخ الصفي قدس سره : إذا قطع الطالب المنازل فهل يبقى بعد ذلك مرتبة لم يصل إليها بعد؟ قال : بلى يبقى علم أنه هل كان مقبولا للرب تعالى أولا ، وفي القشيري ما حاصله أن الولي في الحال يجوز أن يتغير حاله في المآل ويجوز أن يكون من جملة كرامات الولي أن يعلم أنه مأمون العاقبة عصمنا الله وإياكم بحسن الخاتمة.

57

همه عالم همي كويند هر آن

كه يا رب عاقبت محمود كردان

جزء : 2 رقم الصفحة : 56

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤٦