﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيان أربابا﴾ بالنصب عطف على ثم يقول ولا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله تعالى : ﴿ما كان لبشر﴾ أن يستنبئه ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كما قال قريش والصابئون الملائكة بنات الله واليهود والنصارى عزير ابن الله والمسيح ابن الله ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ إنكار لما نفي عن البشر والضمير له يعني أيأمركم بعبادة الملائكة والسجدة للأنبياء بعد كونهم مخلصين بالتوحيدفإنه لو أمركم بذلك لكفر ونزع منه النبوة والإيمان ومن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون أعلم الناس وأفضلهم فيمنعه ذلك من ادعاء الألوهية فإنه تعالى لا يؤتى الوحي والكتاب إلا نفوسا طاهرة وأوراحا طيبة فلا يجمع بشر بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله.
واعلم أن العلم والدراسة جعلا سببا للربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله وكفى هو دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل فكان مثل من غرس شجرة حسناء تؤنقه أي تعجبه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها فالعمل بغير العلم والعلم بغير العمل لا يثبت كل منهما بانفراده النسبة إلى الرب فعلم أن العالم الذي لا يعمل بعلمه منقطع النسبة بينه وبين ربه كالعامل الجاهل فكل منهما ليس من الله في شيء حيث لم تثبت النسبة إلا للتمسك بالعمل المبني على العلم.
قال علي رضي الله عنه قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك لأن العالم ينفر الناس عن العلم بتهتكه والجاهل يرغب الناس في الجهل بتنسكه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع" فعلى المعلم والمتعلم أن يطلب بعلمه مرضاة الله وبعمله الربانية فمن اشتغل بالتعليم والتعلم لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله.
والإشارة أن من دأب أهل الحقيقة تربية الأتباع والمريدين ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الربانية العاملين بما يعلمون من الكتاب وبما كانوا يدرسون من العلوم لا يقنعون على دراستها ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم وبعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواؤهم وصفات بشريتهم يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها ويخدعون الخلق بأنواع الحيل ويستتبعون بعض الجهلة ويصيدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه ويمكرون ببعض أهل الصدق من الطلبة ويقطعون عليهم طريق الحق بأن يمنعوهم من صحبة أهل الحق ومشايخ الطريقة ويأمروهم بالتسليم والرضى فيما يعاملونهم ولا يعرفون غيرهم فيعبدونهم من دون الله كما هو دأب أكثر مشايخ زماننا هذا فإنه ليس من دأب من يؤتى الكتاب والحكم والنبوة ، قال السعدي في ذم أمثال هؤلاء المشايخ :
جزء : 2 رقم الصفحة : 53
دمادم بشويند ون كربه روي
طمع كرده در صيد موشان كوي
رياضت كش ازبهر نام وغرور
كه طبل تهى را رود بانك دور
55
يعني : يصل صوت الطبل إلى البعيد ويسمع من البعيد لكونه خاليا فكذلك أمثالهم يشتهر ذكرهم بين الناس وليس ذلك إلا لكونهم خالين عن الحقيقة إذ المرء الصادق في طلبه والواصل إلى ربه يحب الخمول والنفرة عن الخلق فشأنه التجنب من كل شيء سوى الله دون تشهير نفسه وجلب المال من أيدي الناس بل من الناس من يرغب عنه وهو مرغوب :
كسى راكه نزديك ظنت بداوست
ه داني كه صاحب ولايت خود اوست
در معرفت بر كسانيست باز
كه درهاست برروى ايشان فرار
جزء : 2 رقم الصفحة : 53