تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جزء : 2 رقم الصفحة : 53

﴿وإن منهم﴾ أي من مدعي أهل المعرفة ﴿لفريقا يلوان ألسنتهم بالكتاب﴾ أي بكلمات أهل المعرفة ﴿لتحسبوه﴾ من المعرفة ﴿وما هو من الكتاب﴾ الذي كتب الله في قلوب العارفين ﴿ويقولون هو من عند الله﴾ يعني من العلم اللدني ﴿وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب﴾ بإظهار الدعاوي عند فقدان المعاني ﴿وهم يعلمون﴾ ولا يعلمون أنهم يقولون ما لا يفعلون ، قال السعدي قدس سره :

كرا جامه اكست وسيرت ليد

در دوزخش را نبايد كليد

يعني يدخل جهنم من قبل أن يحاسب على ما فعله لأن مآله إلى النار والمحاسبة وإن كانت نوعا من التعذيب إلا أن عذاب جهنم أشد منها.

53

اكر مردي از مردىء خود مكوى

نه هر شهسواري در برد كوي

يعني كل عابد لا يخلص إيمانه في عاقبته بل من المتعيشين بالصلاح من يموت على الطلاح والعياذ بالله :

كسى سر بزركي نباشد بيز

كدو سر بزركست وبي مغز نيز

ميفر ازكردن بدستار وريش

كه دستار نبه است وسبلت حشيش

أي النبات اليابس.

فيا أرباب الدعاوي أين المعاني.

ويا أرباب المعرفة أين المحبة.

ويا أرباب المحبة أين الطاعة.

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة المعراج نساء بيد كل واحدة منهن مقراض تقرض صدرها وتقطعه قطعة قطعة فسأل جبريل عليه السلام عنهن فقال : "هن اللاتي ولدن أولادا من الزنى مع وجود أزواجهن وأولادهن" قال الشيخ الصفي قدس سره : إن الذين يدعون المعرفة وتمكنهم في مقام الإرشاد ويراؤن جلبا لحطام الدنيا عذابهم أشد من عذاب هؤلاء النساء سبعين مرة فمن جعل القرآن وسيلة لجلب زخارف الدنيا أولى منه من يجلبها بالمعازف وآلات اللهو مثلا إذا كان في محل رفيع حيث لا تصل إليه اليد وليس هناك غير مصحف وطنبور فالأولى أن يجعل الطنبور تحت القدم للوصول دون المصحف وهكذا فيما نحن فيه ، قيل :

دين فروشي مايه كردن هست خسران مبين

سودمند آنكس كه دنيا صرف كرد ودين خريد

فلو نظرت إلى شيوخ الزمان وجدت أكثرهم مدعين ما لم يتحققوا به يضلون الناس بأكاذيب ويروون أساليب ليس فيها أثر من المعاني والحقيقة.

فعلى العاقل أن لا يغتر بظاهرهم ولا يخرج عن المنهاج مقتفيا بآثارهم بل يجتهد إلى أن يميز بين الحق والباطل والعارف والجاهل وماذا بعد الحق إلا الضلال عصمنا الله وإياكم من الزيغ وسيآت الأعمال آمين يا متعال.

جزء : 2 رقم الصفحة : 53

﴿ما كان لبشر﴾ بيان لافترائهم على الأنبياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجران إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخذه ربا حاشاه عليه السلام.

وجاء رجل من المسلمين فقال : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك فقال : "معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله" أي ما صح وما استقام لأحد سواء كان بشرا أولا وإنما قيل لبشر إشعارا بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إليهم ﴿أن يؤتيه الله الكتاب﴾ الناطق بالحق الآمر بالتوحيد الناهي عن الإشراك كالتوراة والإنجيل والقرآن ﴿والحكم﴾ أي الفهم والعلم ﴿والنبوة﴾ وإيتاء الكتاب يستلزم إيتاء الحكم وهو الحكمة المعبر عنها باتقان العلم والعمل فلذلك قدم الكتاب على الحكم لأن المراد بالحكم هو العلم بالشريعة وفهم مقاصد الكتاب وأحكامه فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم قال تعالى : ﴿وءاتيناه الحكم صبيا﴾ يعني العلم والفهم.

فالكتاب السماوي ينزل أولا ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وأسراره وبعدما حصل فهم الكتاب يبلغ النبي ذلك المفهوم إلى الخلق وهو النبوة والأخبار فما أحسن هذا الترتيب ﴿ثم يقول﴾ ذلك البشر بعدما شرفه تعالى بما ذكر من التشريفات وعرفه الحق واطلعه على شؤونه العالية ﴿للناس كونوا عبادا﴾ كائنين ﴿لى من دون الله﴾ من متعلق بلفظ عبادا لما فيه من معنى الفعل ﴿ولاكن﴾ يقول لهم ﴿كونوا ربانيان﴾ الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني إذا وصف بطول اللحية ففيه الدلالة على الكمال في هذه الصفة

54

وإذا نسب إلى اللحية من غير قصد المبالغة يقال لحوي فالرباني هو الكامل في العلم والعمل الشديد التمسك بطاعة الله تعالى ودينه كما يقال رجل إلهي إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾ أي بسبب مثابرتكم على تعليم الكتاب ودراسته أي قراءته وتقديم التعليم على الدراسة لزيادة شرفه عليها.

جزء : 2 رقم الصفحة : 53

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤٣