تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكي أن شابا عقد مع الله عقدا لا ينظر إلى شيء من مستحسنات الدنيا فمر يوما بسوق فرأى منطقة مرصعة بالدر والجوهر فنظر إليها فأعجبته ثم مضى عنها وقد نظر إليه صاحبها فلما ذهب عنه افتقدها فلم يجدها فوثب مسرعا حتى تعلق بالشاب وقال يا عيار أنت سارق منطقتي فحمله إلى السلطان فلما نظر إليه قال : ليس هذا من أهل السرقات فقال : بل هو سارق منطقتي وصفتها كيت كيت فأمر بتفتيشه فوجدوها على وسطه فقال له السلطان يا فتى أما تستحيى تلبس لباس الأخيار وتعمل عمل الفجار؟ فنظر الفتى إلى المنطقة فقال مولاي : الإقالة الإقالة الهي لا أعود إلى مثلها فأمر السلطان أن يضرب فجرد ليضربوه فإذا هم بصوت يسمع ولا يرى يقول : دعوه ولا تضربوه إنما أردنا تأديبه فوثب السلطان إلى الفتى وقبله بين عينيه ثم قال : أخبرني عن قصتك فأخبره فتعجب من ذلك ثم قرأ ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ (البقرة : 177) فقال صاحب المنطقة : سألتك بالله ألا ما قبلتها مني واجعلني في حل فقال : إليك عني ليس هذا من صنعتك إنما الصنع لصاحب الصنع ولا مؤثر في الوجود غير الحق وليس في الدار غيره ديار.

ه خوش كفت بهلول فر خنده خوي

وبكذشت بر عارفي جنك جوى

كر اين مدعى دوست بشناختى

به يكار دشمن نرداختي

كر از خستىء حق خبر داشتي

همه خلق را نيست نداشتي

فإذا وقفت على هذا الخبر فقم في تربية نفسك إلى أن تصل إلى الهوية المطلقة مميطا لثام الإثنينية مشاهدا وجود الحق في كل شيء رزقنا الله وإياكم مشاهدته.

﴿إن الذين يشترون﴾ أي يستبدلون ويأخذون ﴿بعهد الله﴾ أي بدل ما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول عليه السلام والوفاء بالأمانات ﴿وأيمانهم﴾ وبما حلفوا به من قولهم لنؤمنن به ولننصرنه

52

﴿ثمنا قليلا﴾ هو حطام الدنيا ﴿أولئك﴾ الموصوفون بتلك الصفات القبيحة ﴿لا خلاق﴾ لا نصيب ﴿لهم فى الاخرة﴾ ولا في نعيمها ﴿ولا يكلمهم الله﴾ وهو كناية عن شدة غضبه وسخطه نعوذ بالله من ذلك ﴿ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾ وهو مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم ﴿ولا يزكيهم﴾ أي لا يثنى عليهم كما يثنى على أوليائه مثل ثناء المزكي للشاهد.

والتزكية من الله تعالى قد تكون على ألسنة الملائكة كقوله تعالى : ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم﴾ (التوبة : 112) وقد تكون بغير واسطة ، إما في الدنيا فكقوله تعالى : ﴿التائبون العابدون﴾ (التوبة : 112) وإما في الآخرة فكقوله تعالى : ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ ﴿ولهم عذاب أليم﴾ على ما فعلوه من المعاصي.

والآية نزلت في اليهود الذين حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا الرشوة على ذلك.

جزء : 2 رقم الصفحة : 51

﴿وإن منهم﴾ أي من اليهود المحرفين ﴿لفريقا﴾ ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وأضرا بهما ﴿يلوان﴾ من اللي وهو الفتل ﴿ألسنتهم بالكتاب﴾ أي يفتلونها بقراءته فيميلونها من المنزل إلى المحرف ﴿لتحسبوه﴾ أي المحرف المدلول عليه بقوله يلوون ﴿من الكتاب﴾ أي من جملته ﴿وما هو من الكتاب﴾ حال من الضمير المنصوب أي والحال أنه ليس منه في نفس الأمر وفي اعتقادهم أيضا ﴿ويقولون﴾ مع ما ذكر من اللي والتحريف على طريقة التصريح لا بالتورية والتعريض ﴿هو﴾ أي المحرف ﴿من عند الله﴾ أي منزل من عند الله ﴿وما هو من عند الله﴾ أي : والحال أنه ليس من عنده تعالى في اعتقادهم أيضا ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون ومفترون على الله وهو تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله تعالى والتعمد فيه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف وغيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب.

والإشارة في الآيتين ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ الذي عاهدهم الله به يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة ﴿وأيمانهم﴾ التي يحلفون بها ههنا ﴿ثمنا قليلا﴾ من متاع الدنيا وزخارفها مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية ﴿أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة﴾ الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية ﴿ولا يكلمهم الله﴾ تقريبا وتكريما وتفهيما ﴿ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾ بنظر العناية والرحمة فيرحمهم ويزكيهم عن الصفات التي بها يستحقون دركات جهنم ﴿ولا يزكيهم﴾ عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار بالنار إلى الأبد ولا يتخلصون منها أبدا ﴿ولهم عذاب أليم﴾ فيما لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤٢