تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيب عرف العود فالحسد من الأخلاق المذمومة للنفس فلا بد من إزالته عنها بكثرة التوحيد والأذكار ورؤية الآثار من الله الجبار فإن تباين مقامات أفراد الإنسان في العلم والعمل والخلق وسائر الصفات الفاضلة رحمة لهم ولم يكن ذلك إلا بتقدير العزيز العليم في الأزل فالحاسد يسفه الحق سبحانه وأنه أنعم على من لا يستحق تعالى الله عما يقول الظالمون وقد ذم الله الحاسدين في كتابه قال تعالى : ﴿أم يحسدون الناس على مآ ءاتااهم الله من فضله﴾ (النساء : 54) وأما الغبطة فهي محمودة نسأل الله أن يحلينا بالصفات الشريفة والأخلاق اللطيفة ويخلينا من الرذائل النفسية آمين يا رب العالمين.

جزء : 2 رقم الصفحة : 49

﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار﴾ يقال : أمنته بكذا فالباء للالصاق بالأمانة فإن من ائتمن على شيء صار ذلك الشيء في معنى الملصق به لقربه به منه واتصاله بحفظه والمراد بالقنطار ههنا العدد الكثير ﴿يؤده إليك﴾ من غير جحد ونقص كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا فاداها إليه فأهل الأمانة من أهل الكتاب هم الذين أسلموا ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار﴾ والمراد بالدينار ههنا العدد القليل ﴿لا يؤده إليك﴾ وهو كعب بن الأشرف استودعه رجل من قريش دينارا فلم يؤده وجحده فذمه تعالى فأهل الخيانة منهم هم الذين بقوا على اليهودية والنصرانية والمعنى أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن في الشيء القليل فإنه يخون ﴿إلا ما دمت عليه قآئما﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال والأوقات أي لا يؤده إليك في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامك أو في وقت قيامك على رأسه مبالغا في مطالبته بالتقاضي وإقامة البينة ﴿ذالك﴾ أي تركهم أداء الحقوق ﴿بأنهم﴾ أي بسبب أنهم ﴿قالوا ليس علينا فى الاميان﴾ أي في شأن من ليس من أهل الكتاب ﴿سبيل﴾ أي عتاب ومؤاخذة ونفي السبيل نفي المطالبة فإن المطالب لا يتمكن من المطالبة إلا إذا وجد السبيل إلى المطلوب.

جزء : 2 رقم الصفحة : 51

والأمي منسوب إلى الأم وسمي النبي عليه السلام أميا لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصل حاله في أن لا يكتب.

وقيل لأنه عليه السلام نسب إلى مكة وهي أم القرى ﴿ويقولون على الله الكذب﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون مفترون على الله وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا لم يجعل في التوراة في حقهم حرمة فقد كذبوا في ذلك على الله فإن أداء الأمانة واجب في الأديان كلها وحبس مال الغير والإضرار به والخيانة إليه حرام ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه أي بلى عليهم في الأميين سبيل ﴿من أوفى بعهده﴾ الضمير راجع إلى من أي من أتم

51

بعهد الوافي أو بعهد الله الذي عهده إليهم في التوراة وأخذ ميثاقهم عليه من الإيمان بمحمد وأداء الأمانة ﴿واتقى﴾ أي الشرك والخيانة وجواب الشرط وهو من قوله ﴿فإن الله يحب المتقين﴾ عن الغدر والخيانة ونقض العهد أي فإن الله يحبه فقام عموم المتقين مقام الضمير الراجع من الجزاء إلى من يعني التقوى تعم وفاء ما عاهدوا الله عليه من الإيمان بمحمد عليه السلام وبما جاء به مما يتعلق بتكميل القوة النظرية والعملية.

ودلت الآية على تعظيم أمر الوفاء بالعهد وذلك لأن الطاعات مقصورة على أمرين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا إذ ذلك سبب لمنفعة الخلق فهو شفقة على خلق الله ولما أمر الله به كان الوفاء به تعظيما لأمر الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن" ، أي : جعل أمينا ووضع عنده أمانة "خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر" ، أي : ترك الوفاء "وإذا خاصم فجر" أي مال عن الحق.

قال صاحب "التحفة" وليس الغرض أن آية المنافق محصورة فيها بل كل من أبطن خلاف ما أظهر فهو من المنافقين فصدور العدد من خير الأنام يكون باعتبار اقتضاء المقام والوفاء بالعهد كما يمكن أن يكون في حق الغير يمكن أيضا في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات لأنه عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب.

فعلى العاقل أن يوفى بعهده في السراء والضراء ويجتهد في محافظته.

جزء : 2 رقم الصفحة : 51

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤١