تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وقالت طآئفة من أهل الكتاب﴾ وهم رؤساؤهم ومقتدوهم لأعقابهم ﴿بالذى أرسلت﴾ أي : أظهروا الإيمان بالقرآن الذي ﴿أنزل على الذين ءامنوا﴾ أي : على المسلمين ﴿وجه النهار﴾ أي : في أوله لأن أول النهار هو أول ما ظهر منه كما أن الوجه أول ما يظهر من أعضاء الإنسان عند الملاقاة ﴿واكفروا ءاخره﴾ أي : أظهروا ما أنتم من الكفر به في آخر النهار مرائين لهم إنكم آمنتم به بادي الرأي من غير تأمل ثم تأملتم فيه فوقفتم على خلل رأيكم الأول فرجعتم عنه ﴿لعلهم﴾ أي : المؤمنين ﴿يرجعون﴾ عما هم عليه من الإيمان به كما رجعتم.

والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم صلوا إلى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون.

49

﴿ولا تؤمنوا﴾ أي : لا تقروا بتصديق قلبي ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ أي : لأهل دينكم لا لمن تبع محمدا وأسلم لما قالت الطائفة المتقدمة لاتباعهم أظهروا الإيمان بالقرآن أول النهار كان من بقية كلامها لهم إنكم لا تصدقوا بحقية الإسلام والقرآن بقلوبكم لكن لا تظهروه للمسلمين ولا تقروا بذلك إلا لأهل دينكم ﴿قل﴾ يا محمد للرؤساء ﴿إن الهدى هدى الله﴾ يهدي به من يشاء إلى الإيمان ويثبته عليه فإذا كانت الهداية والتوفيق من الله فلا يضر كيدكم وحيلكم وهو اعتراض مقيد لكون كيدهم غير مجد لطائل ﴿أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم﴾ علة بتقدير اللام لفعل محذوف أي : قلتم ذلك القول ودبرتم الكيد لأن يعطي أحد مثل ما أعطيتم من فضل الكتاب والعلم لا لشيء آخر يعني ما بكم من الحسد صار داعيا لكم إلى أن قلتم ما قلتم ﴿أو يحآجوكم﴾ عطف على أن يؤتى وضمير الجمع عائد إلى أحد لأنه في معنى الجمع أي : دبرتم ما دبرتم لذلك ولأن يحاجوكم عند كفركم بما يأتى أحد من الكتاب مثل كتابكم ﴿عند ربكم﴾ يوم القيامة فيغلبوكم بالحجة فإن من آتاه الله الوحي لا بد أن يحاج مخالفيه عند ربه ﴿قل إن الفضل﴾ أي : الهدي والتوفيق وإيتاء العلم الكتاب ﴿بيد الله﴾ أي : بقدرته ومشيئته ﴿يؤتيه من يشآء﴾ من عباده ﴿والله واسع﴾ أي : كامل القدرة ﴿عليم﴾ أي : كامل العلم فلكمال القدرة يصح أن يتفضل على أي عبد يشاء بأي تفضل شاء ولكمال علمه لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب.

جزء : 2 رقم الصفحة : 49

﴿يختص برحمته﴾ أي : يجعل رحمته مقصورة على ﴿من يشآءا والله ذو الفضل العظيم﴾ كلاهما تذييل لما قبله مقرر لمضمونه.

والإشارة في تحقيق الآيات أن الحسد وإن كان مركوزا في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء ويجعله وسيلة لجمع المال وحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا فيحسد على كل عالم آتاه الله كلمة فهو ينشرها ويفيد الخلق كما قال عليه السلام : "لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في حق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" أي : لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين وكان حسد أحبار اليهود على النبي عليه السلام من هذا القبيل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ستة يدخلون النار قبل الحساب" قيل يا رسول الله من هم قال : "الأمراء من بعدي بالجور والعرب بالعصبية والدهاقين بالكبر والتجار بالخيانة وأهل الرستاق بالجهل وأهل العلم بالحسد" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث هن أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن إياكم والكبر فإن إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم" ، قال المولى الجامي :

لاف بي كبرى مزن كان ازنشان اي مور

درشب تاريك برسنك سيه نهان ترست

وزدرون كردن برون انرامكير آسان كزان

كوه را كندن بسوزن اززمين آسان ترست

"وإياكم والحرص فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة" ، وقال أيضا :

درهر دلى كه عزقناعت نهاد اي

ازهره بود حرص وطمع را ببست دست

هرجا كه عرضه كرد فناعت متاع خويش

بآزار جرص ومعركة آزرا شكست

"وإياكم والحسد فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدا" ، قال الشيخ السعدي :

توانم انكه نيازارم اندرون كسى

حسود راه كنم كوز خودبرنج درست

50

بميرتا برهى أي حسود كين رنجيست

كه از مشقت ان جز بمرك نتوان رست

وقال الأصمعي : رأيت أعرابيا أتى عليه مائة وعشرون سنة فقلت : ما طول عمرك؟ فقال : تركت الحسد فبقيت.

وفي بعض الآثار أن في السماء الخامسة ملكا يمر به عمل عبد له ضوء كضوء الشمس فيقول : قف فأنا ملك الحسد اضربوا به وجه صاحبه فإنه حاسد.

وقيل : من علامات الحاسد أن يتملق إذا شهد ويغتاب إذا غاب ويشمت بالمصيبة إذا نزلت وأنشدوا :

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت

جزء : 2 رقم الصفحة : 49

أتاح لها لسان حسود

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٤٠