تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ودت طآئفة من أهل الكتاب﴾ أي : أحبت ﴿لو﴾ أي : أن يصرفونكم عن دين الإسلام إلى دين الكفر وإنما قال طائفة لأن من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ جملة حالية جيء بها للدلالة على كمال رسوخ المخاطبين وثباتهم على ما هم عليه من الدين القويم أي : وما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم لما أنه يضاعف به عذابهم ﴿وما يشعرون﴾ أي : باختصاص وباله وضرره بهم.

اعلم أنه تعالى لما بين أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق والإعراض عن قبول الحجة بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات.

فعلى العاقل أن لا يضل عن الطريق القويم بالقاآت كل شيطان رجيم من ضلال الإنس والجان أصلحهم الله الملك المنان وماذا بعد الحق إلا الضلال.

قال ابن مسعود رضي الله عنه : لما دنا فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعنا في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها ثم نظر إلينا فدمعت عيناه وقال : "مرحبا بكم حياكم الله رحمكم الله أوصيكم بتقوى الله وطاعته قد دنا الفراق وحان المنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى يغسلني رجال أهل بيتي ويكفنونني في ثيابي هذه إن شاؤوا أو في حلة يمانية فإذا غسلتموني وكفنتموني ضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير لحدي ثم اخرجوا عني ساعة فأول من يصلي علي حبيبي جبريل عليه السلام ثم ميكائل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا علي فوجا فوجا صلوا علي" فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا وقالوا : يا رسول الله أنت رسول ربنا وشمع جمعنا وسلطان أمرنا إذا ذهبت عنا فإلى من نراجع في أمورنا؟ قال : "تركتم على المحجة البيضاء" أي : على الطريق الواسع الواضح "ليلها كنهارها" في الوضوح و"لا يزيغ بعدها إلى غيرها إلا هالك وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا

48

فالناطق القرآن والصامت الموت فإذا أشكل عليكم أمر فارجعوا إلى القرآن والسنة وإذا قسا قلبكم فلينوه بالاعتبار في أحوال الأموات".

جزء : 2 رقم الصفحة : 47

جهان أي : سر ملك جاويد نيست

زدنيا وفادارى اميد نيست

والناس في الاعتقاد والعمل متفاوتون.

فمنهم من هو متين كالحصن الحصين لا يزول عما هو عليه وإن اتفق الناس في إضلاله وهو المرتبة القصوى في باب الدين التي نالها الأنبياء والأولياء والأفراد من المؤمنين قال علي كرم الله وجهه (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) ولا يطرأ الشك في المحسوس فكذا ما هو في حكمه.

ومنهم من هو ضعيف لا متانة فيه تذروه رياح الهوى حيث شاءت بعد إن لم تساعد له العناية الأزلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الناس كمعادن الذهب والفضة" يعني : أن الناس معادن الأعمال والأخلاق والأقوال ولكن يتفاوتون فيها كما تتفاوت معادن الذهب والفضة إلى أن تنتهي إلى الأدنى فالأدنى.

قال في "شرح المصباح" وفيه إشارة إلى أن ما في معادن الطباع من جواهر مكارم الأخلاق ينبغي أن تستخرج برياضة النفوس كما يستخرج الجواهر من المعادن بالمقاساة والتعب ولقد أجاد من قال :

بقدر الكد تكتسب المعالي

ومن طلب العلى سهر الليالي

تروم العز ثم تنام ليلا

يغوص البحر من طلب للآلي فلا بد من الاجتهاد والاستمداد من الأبدال والأوتاد لعل الله يسهل سلوك هذا الطريق ويخلص من خطر هذا البحر العميق :

بارى كه آسمان وزمين سر كشيد ازان

مشكل بود بياورىء جسم وجان كشيد

همت قوى كن ازمدد وهروان عشق

كان باررا بقوت همت توان كشيد

جزء : 2 رقم الصفحة : 47

يا اأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} أي : بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وأنتم تشهدون﴾ أي : والحال أنكم تشهدون أنها آيات الله يا اأهل الكتاب لم تلبسون} أي : تخلطون ﴿الحق بالباطل﴾ المراد بالحق كتاب الله الذي أنزله على موسى وعيسى عليهما السلام.

وبالباطل ما حرفوه وكتبوه بأيديهم وبخلط أحدهما بالآخر إبراز باطلهم في صورة الحق بأن يقولوا الكل من عند الله تعالى ﴿وتكتمون الحق﴾ أي : نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنه حق ثابت في كتابكم.

جزء : 2 رقم الصفحة : 49

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٣٩