﴿نزل عليك الكتاب﴾ أي : القرآن عبر عنه باسم الجنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب.
فإن قلت : لم قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت : لأن التنزيل للتكثير والقرآن نزل منجما ونزل الكتابان جملة وذكر في آخر الآية الإنزال وأراد به من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة في ليلة القدر في شهر رمضان والمراد هنا هو تنزيله إلى الأرض ففي القرآن جهتا الإنزال والتنزيل ﴿بالحق﴾ ملتبسا ذلك الكتاب بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبر التوحيد وما يليه أو في وعده ووعيده ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ أي : في حال كونه مصدقا للكتب قبله في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع قبله ﴿وأنزل التورااة والانجيل﴾ اسمان أعجميان : الأول عبري والثاني سرياني ﴿من قبل﴾ أي : أنزلهما جملة على موسى وعيسى عليهما السلام من قبل تنزيل الكتاب والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان ﴿هدى للناس﴾ علة للإنزال أي : أنزلهما لهداية الناس وفيه لف بدون النشر لعدم اللبس لأن كون التوراة هدى للناس في زمان موسى وكون الإنجيل هدى لهم في زمان عيسى معلوم فاختصر لذلك ﴿وأنزل الفرقان﴾ أي : جنس الكتب السماوية لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل أو هو القرآن كرر ذكره تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله ﴿من قبل هدى للناس وأنزل﴾ أي : بالقرآن ومعجزات النبي عليه السلام ﴿لهم﴾ بسبب كفرهم بها ﴿عذاب شديد﴾ لا يقادر قدره ﴿والله عزيز﴾ لا يغالب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﴿ذو انتقام﴾
3
عظيم لا يقدر على مثله منتقم.
جزء : 2 رقم الصفحة : 2
﴿إن الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السمآء﴾ أي : مدرك الأشياء كلها يعني هو مطلع على كفر من كفر به وإيمان من آمن به وعلى جميع أعمالهم فيجازيهم يوم القيامة ﴿هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشآء﴾ أي : يجعلكم على هيئة مخصوصة في أرحام أمهاتكم من ذكر وأنثى وأسود وأبيض وتام وناقص وطويل وقصير وحسن وقبيح وهو رد على الذين قالوا عيسى الله أو ابن الله لأن من صور في الرحم يمتنع أن يكون إلها وولدالكونه مركبا وحالا في المركب وفي عرض الفناء والزوال ﴿لا إله إلا هو﴾ نزه نفسه أن يكون عيسى ابنا له ﴿العزيز الحكيم﴾ المتناهي في القدرة والحكمة فربكم يخلقكم على النمط البديع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد" قال : "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" وقال عليه السلام : "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول : يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان فيقول : أي رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ثم يقول الملك : يا رب ما أصنع بهذا الكتاب؟ فيقول علقه في عنقه إلى قضائي عليه فذلك قوله تعالى ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه﴾ (الإسراء : 13) أي عمله من خير وشر الصادر عنه باختياره حسبما قدر له كأنه طار إليه من وكر الغيب والقدر.
قال القاضي المراد بكتبه هذه الأشياء إظهارها للملك وإلا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك وكل ميسر لما خلق له فعلى العاقل أن لا يتكاسل عن الأعمال في جميع الأحوال ولا يفوت أيام الفرصة والليال :
جزء : 2 رقم الصفحة : 4
خبرداري أي استخواني قفس
كه جان تومر غيست نامش نفس
ومرغ از قفس رفت وبكسست قيد
دكر ره نكردد بسغى تو صيد
نكه دار فرصت كه عالم دميست
دمي بيش دانا به از عالميست