والإشارة في الآية أن أصول الأديان كلها إخلاص العبودية كما قال تعالى : ﴿ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شياا﴾ يعني كما لا نعبد إلا الله لا نطلب منه غيره ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾ في طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط ﴿فإن تولوا﴾ يعني من أعرض عن هذا الأصل ﴿فقولوا﴾ أنتم لهم ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾ مستسلمون لما دعانا الله إليه من التوحيد والإخلاص في العبودية ونفى الشرك والسر في الإشهاد على الإسلام ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما يشهد لهم المؤمنون كما قال النبي عليه السلام لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه : "إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" فيكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة حجة على أنفسهم.
فالتوحيد هي العروة الوثقى وأصل الأصول يهب من جانب الغيب لمن أخلصه قبول القبول.
فعلى العاقل أن لا يخالف كتاب الله بالإعراض عن فحاويه وعدم التدبر في معانيه بل يسلك سبيل العلم والأعمال ويجتنب الجهل والغي والضلال قبل أن يهال عليه التراب ويلف في الأكفان من الأثواب ، قال الفاضل عبد الرحمن الجامي قدس سره :
يش كسرى زخردمند حكيمان ميرفت
سخن ازسخت ترين موج درين لجه غم
آن يكى كفت كه بيمارى واندوه دراز
وإن دكر كفت كه نادارى وبيريست بهم
سيومين كفت كه قرب اجل وسوء عمل
عاقبت رفت بترجيح سوم حكم حكم
يعني اجتمع يوما في مجلس أنوشروان ثلاثة من الحكماء فانجر الكلام إلى أن أشد الشدائد ما هو؟ فقال الحكيم الرومي : هو الشيخوخة مع الفقر.
وقال الحكيم الهندي : المرض وعلة البدن مع كثرة الغموم والهموم.
وقال الحكيم بزرجمهر : هو قرب الأجل وسوء العمل فاتفقوا على قوله رزقنا الله وإياكم حلاوة الطاعات وأيدنا بتوفيقه قبل قدوم هاذم اللذات آمين.
جزء : 2 رقم الصفحة : 45
﴿ياأهل الكتاب﴾ من اليهود والنصارى ﴿لم تحآجون﴾ تجادلون ﴿فى﴾ ملة ﴿إبراهيم﴾ وشريعته تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم عليه السلام وزعم كل واحد منهما أنه عليه السلام منهم وترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والمعنى لم تدعون أنه عليه السلام كان منكم ﴿ومآ أنزلت التورااة﴾ على موسى عليه السلام ﴿والانجيل﴾ على عيسى عليه السلام ﴿إلا منا بعده﴾ أي : من بعد موته وأنتم سميتم باليهودية والنصرانية بعد نزول الكتاب ﴿أفلا تعقلون﴾ أي : ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان مذهبكم فتجادلون بالجدال المحال لأن
47
بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفي سنة فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة؟.
﴿هاأنتم هاؤلاء﴾ جملة من مبتدأ وخبر صدرت بحرف التنبيه ثم بينت بجملة مستأنفة إشعارا بكمال غفلتهم أي : أنتم هؤلاء الحمقى حيث ﴿حاججتم فيما لكم به علم﴾ من التوراة والإنجيل من نبوة محمد عليه السلام ﴿فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم﴾ فيما لا ذكر له في كتابكم ولا علم لكم به من دين إبراهيم إذ لا ذكر لدينه عليه السلام في أحد الكتابين قطعا ﴿والله يعلم﴾ ما حاججتم فيه فيعلمنا ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي : محل النزاع.
جزء : 2 رقم الصفحة : 47
﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا﴾ تصريح بما نطق به البرهان المقرر ﴿ولاكن كان حنيفا﴾ أي : مائلا عن العقائد الزائغة كلها ﴿مسلما﴾ أي : منقاداتعالى وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام وإلا لاشترك الإلزام ﴿وما كان من المشركين﴾ تعرض بأنهم مشركون بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله ورد لادعاء المشركين أنهم على ملته عليه السلام.
﴿إن أولى الناس بإبراهيم﴾ أي : إن أحق الناس بدعواه أنه على دين إبراهيم ﴿للذين اتبعوه﴾ في زمانه ﴿وهاذا النبى﴾ أي : محمد المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه اتبعه ﴿والذين ءامنوا﴾ بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة لموافقتهم في أكثر ما شرعه لهم على الأصالة ﴿والله ولى المؤمنين﴾ ينصرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم.