تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فمن حآجك﴾ أي : من النصارى إذ هم المتصدون للمحاجة ﴿فيه﴾ أي : في شأن عيسى عليه السلام وأمه زعما منهم أنه ليس على الشأن المحكي ﴿منا بعد ما جآءك من العلم﴾ أي : ما يوجبه إيجابا قطعيا من الآيات البينات وسمعوا ذلك منك فلم يرعووا عماهم عليه من الضلال والغي ﴿فقل﴾ أي : فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقل لهم : ﴿تعالوا﴾ التعالي في الأصل : التصاعد كأن الداعي في علو والمدعو في سفل فأمره أن يتعالى إليه ثم صار ذلك لكل مدعو أين كان أي هلموا بالرأي والعزيمة لا بالأبدان لأنهم مقبلون وحاضرون عنده بأجسادهم ﴿ندع أبنآءنا وأبنآءكم﴾ اكتفى بهم عن ذكر البنات لظهور كونهم أعز منهن.

وأما النساء فتعلقهن من جهة أخرى ﴿ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ أي : ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحملهم عليها ﴿ثم نبتهل﴾ أي : نتباهل بأن نلعن الكاذب ونقول لعنة الله على الكاذب منا ومنكم ﴿فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾ عطف على نبتهل مبين لمعناه.

روي أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فلما خلا بعضهم ببعض قالوا لعبد المسيح ما ترى؟ فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلى خلفها رضي الله عنه وهو يقول : "إذا أنا دعوت فأمنوا" فقال : أسقف نجران

44

أي : أعلمهم بأمور دينهم وهو أبو حارثة يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو شاء الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن تترك على دينك ونثبت على ديننا قال صلى الله عليه وسلم "فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين" فأبوا فقال : "فإني أحاربكم" فقالوا : مالنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب وثلاثين درعا عادية من حديد فصالحهم على ذلك وكتب لهم كتابا بذلك وقال : "والذي نفسي بيده أن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا".

جزء : 2 رقم الصفحة : 41

﴿إن هاذآ﴾ أي : ما قص من نبأ عيسى عليه السلام وأمه ﴿لهو القصص الحق﴾ دون ما عداه من أكاذيب النصارى ﴿وما من إلاه﴾ ما إله ﴿إلا الله﴾ صرح فيه بمن الاستغراقية تأكيدا للرد على النصارى في تثليثهم ﴿وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ القادر على جميع المقدورات.

الحكيم المحيط بالمعلومات لا أحد يشاركه في القدرة والحكمة ليشاركه في الألوهية.

﴿فإن تولوا﴾ أي : أعرضوا عن قبول التوحيد والحق الذي قص عليك بعدما عاينوا تلك الحجج النيرة والبراهين الساطعة ﴿فإن الله عليما بالمفسدين﴾ أي : فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله فإن الله عليم بفساد المفسدين مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة قادر على مجازاتهم.

واعلم أن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إياهم به وهو المؤثر بإذن الله في العالم العنصري فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيآت الواردة عليها كالغضب والخوف والسرور والفكر في أحوال المعشوق وغير ذلك من تحريك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم وانفعال النفوس الملكية تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصالي تأثير ما يتصل به فينفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية فيه بما أراد ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه السلام قبل المباهلة بالخوف وأحجمت عن المباهلة فطلبت الموادعة بالجزية؟ كذا في "التأويلات القاشانية".

وكذا حال الولي إذا دعا على إنسان يكون له تأثير بالمرض أو الموت أو غير ذلك من البلايا.

جزء : 2 رقم الصفحة : 45

روي أن الشاعر البساطي رأى يوما الشيخ كمال الدين الخجندي في مجلس الشعراء فقال :

از كجايى از كجايى أي : لوند

فقال الشيخ في جوابه على الفور :

از خجندم از خجندم از خجند

ولكنه تأذى من سوء أدبه ومعاملته معه هكذا وحمله على سكره فقال الغالب : إن هذا الشاب سكران فسمعه البساطي وقال بالبداهة :

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٣٦