فقد ظهر أن الذين يطلبون غير الله هم غرقى في بحر الهوى والشهوات لا يقدرون على التصعد إلى الأعلى وأما الذين تخلصوا من قشر الوجود ووصلوا بالفناء عن ذواتهم إلى عالم الشهود فهم يطيرون بأجنحة أنوار حالهم مع الملائكة المقربين لتخلصهم من الأثقال الدنيوية والأشغال القالبية والبدنية قال تعالى : ﴿إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والارض﴾ (الرحمن : 33) أي : بالتجرد عن الهيآت الجسمانية والتعلقات البدنية ﴿فانفذوا﴾ لتنخرطوا في سلك الإرادة الملكوتية والنفوس الجبروتية وتصلوا إلى الحضرة العلية ﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾ أي : بحجة بينة هي التوحيد والتجريد والتفريد بالعلم والعمل والفناء إلى الله تعالى قال عيسى عليه السلام : (لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين) والولادة نوعان : اضطراري بخلق الله تعالى ولا دخل فيه للكسب والاختيار وذلك ظاهر ، واختياري يحصل بالكسب وهو الذي أشار إليه عيسى عليه السلام وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى ويداوي بدواء أفضاله هذه النفوس المرضى إنه بكل شيء قدير وبتيسيره يسهل كل أمر عسير.
﴿إن مثل عيسى﴾ أي : شأنه البديع المنتظم لغرابته في سلك الأمثال ﴿عند الله﴾ أي : في تقديره وحكمه ﴿كمثل ءادم﴾ أي : كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب ولا ينازع فيها منازع ﴿خلقه من تراب﴾ تفسير للمثل لا محل له من الأعراب أي : خلق قالب آدم من تراب.
فإن قيل : الضمير في خلقه راجع إلى آدم وحين كان ترابا لم يكن آدم موجودا.
قلنا : لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم قبل ذلك تسمية لما سيقع بالواقع ﴿ثم قال له كن﴾ أي : إنشأ بشرا ﴿فيكون﴾ والمقتضى أن يقال فكان أي : كان كما أمره الله إلا أنه عدل إلى المضارع حكاية للحال التي كان آدم عليها أي : تصويرا لذلك الإيجاد الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن.
جزء : 2 رقم الصفحة : 41
روي أن وفد نجران قدموا المدينة وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم : منهم السيد وهو كبيرهم واسمه أهيب ، والعاقب الذي بعده وهو صاحب رأيهم واسمه عبد المسيح ، والثالث أبو حارثة بن علقمة الأسقف وكان في شرف وخطر عظيم وكان ملك الروم بنى له الكنائس وكان يبعث له بالكرامات فأقبلوا حتى قدموا على النبي عليه السلام في مسجد المدينة بعد العصر عليهم ثياب حسان ولهم وجوه جسام فقاموا وصلوا واستقبلوا قبلتهم وأراد أصحاب النبي صلى الله عليه
43
وسلم أن يمنعوهم فقال صلى الله عليه وسلم "دعوهم" وقد كان نزل على النبي عليه السلام قبل قدومهم صدر آل عمران لمحاجتهم ثم انتهى أبو حارثة هذا وآخر معه إلى النبي عليه السلام فقال لهما صلى الله عليه وسلم "أسلما" فقالا : أسلمنا قبلك فقال صلى الله عليه وسلم "كذبتما يمنعكما عن الإسلام ثلاث : عبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ، وزعمكما أنولدا" قالوا : يا محمد فلم تشتم صاحبنا عيسى؟ قال : "وما أقول" قالوا : تقول إنه عبد قال : "أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول" فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنسانا من غير أب فحيث سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون هو الله فقال صلى الله عليه وسلم "إن آدم عليه السلام ما كان له أب ولا أم" ولم يلزم من ذلك كونه ابناتعالى فكذا حال عيسى عليه السلام فالوجود من غير أب وأم أخرق للعادة من الوجود من غير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع لشبهة الخصم إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه.
﴿الحق﴾ أي : ما قصصنا عليك من نبأ عيسى وأمه هو الحق كائنا ﴿من ربك﴾ لا قول النصارى إنه ابن الله وقولهم ولدت مريم إلها ونحو ذلك ﴿فلا تكن من الممترين﴾ أي : من الشاكين في ذلك الخطاب للنبي عليه السلام على طريقة الإلهاب والتهييج لزيادة التثبيت لأن النهي عن الشيء حقيقة يقتضي أن يتصور صدور المنهي عنه من المنهي ولا يتصور كونه عليه السلام شاكا في صحة ما أنزل عليه والمعنى دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من الاطمئنان على الحق والتنزه عن الشك فيه.
قال الإمام أبو منصور رحمه الله : العصمة لا تزيل المحنة ولا ترفع النهي.
جزء : 2 رقم الصفحة : 41