﴿ومكروا﴾ أي : الذين علم عيسى كفرهم من اليهود بأن وكلوا به من يقتله غيلة وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله ﴿ومكر الله﴾ بأن رفع عيسى عليه السلام وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل ﴿والله خير الماكرين﴾ أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا واقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب.
جزء : 2 رقم الصفحة : 39
روي أن ملك بني إسرائيل لما قصد قتله عليه السلام أمره أن يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة إلى السماء وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة حول العرش وكان إنسيا ملكيا سماويا أرضيا ثم قال الملك لرجل خبيث منهم أدخل عليه فاقتله فدخل البيت فألقى الله عز وجل شبهه عليه السلام عليه فخرج يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين عيسى فوقع بينهم مقال عظيم ولما صلب المصلوب جاءت مريم ومعها امرأة أبرأها الله من الجنون بدعاء عيسى وجعلتا تبكيان على المصلوب فأنزل الله عيسى عليه السلام فجاءهما فقال : على من تبكيان قالتا عليك فقال : إن الله رفعني ولم يصبني إلا خير وإن هذا شيء شبه لهم فلما كان بعد سبعة أيام قال الله لعيسى اهبط إلى
40
المجدلانية على موضع في جبلها فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها ثم استجمع الحواريين فبثهم أي : فاجعلهم متفرقين في الأرض دعاة إلى الله فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريون فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله إليه وتلك الليلة هي اللية التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ والمكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة والمكر من الله استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم فيها أيها العبد خف من وجود إحسان مولاك إليك ودوام إساءتك معه في دوام لطفه بك وعطفه عليك أن يكون ذلك استدراجا لك حتى تقف معها وتغتر بها وتفرح بما أوتيت فتؤخذ بغتة قال الله تعالى : ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ (الأعراف : 182).
قال سهل رضي الله عنه في معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا.
وقال أبو العباس بن عطاء يعني كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة أو أنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه أن يسيىء الأدب بإظهار دعوى أو تورط في بلوا فتؤخر العقوبة عنه إمهالا له فيظنه إهمالا فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد اعتبارا بالظاهر من الأمر من غير تعريج على ما وراء ذلك وما ذاك إلا لفقد نور بصيرته أو ضعف نورها وإلا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن أنه متوفر في عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد إلا منع المزيد لكان قطعا لأن من لم يكن في زيادة فهو في نقصان قال عليه السلام : "من استوى يوماه فهو مغبون" ولو لم يكن من الابعاد إلا أن يخليك وما تريد فيصرفك عنه بمرادك هذا والعياذ بالله مكر وخسران.
وعن ابن حنبل أنه كان يوصي به أصحابه فقال : خف سطوة العدل وارج رقة الفضل ولا تأمن من مكره تعالى ولو أدخلك الجنة ففي الجنة وقع لأبيك آدم ما وقع وقد يقطع بأقوام فيها فيقال لهم : كلوا واشربوا هينئا بما أسلفتم في الأيام الخالية فقطعهم بالأكل والشرب عنه وأي مكر فوق هذا وأي خسران أعظم منه.
جزء : 2 رقم الصفحة : 39
﴿إذ قال الله﴾ أي : اذكر وقت قول الله يا عيسى إني متوفيك} أي : مستوفي أجلك ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم ﴿ورافعك﴾ الآن ﴿إلى﴾ أي : إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي وجعل ذلك رفعا إليه للتعظيم ومثله قوله ﴿إنى ذاهب إلى ربى﴾ وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام وقد يسمى الحاج زوار الله والمجاورون جيران الله وكل ذلك للتفخيم فإنه تعالى يمتنع كونه في المكان ﴿ومطهرك﴾ أي : مبعدك ومنحيك ﴿من الذين كفروا﴾ أي : من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم.
قيل : سينزل عيسى عليه السلام من السماء على عهد الدجال حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فيفيض المال حتى لا يقبله أحد ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويقتل الدجال ويتزوج بعد قتله امرأة من العرب وتلد منه ثم يموت هو بعدما يعيش أربعين سنة من نزوله فيصلي عليه المسلمون لأنه سأل ربه أن يجعله من هذه الأمة فاستجاب الله دعاءه ﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ وهم
41