تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسئل الجنيد كيف السبيل إلى الانقطاع إلى الله فقال بتوبة تزيل الإصرار وخوف يزيل التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل وذكر الله تعالى على اختلاف الأوقات وإهانة النفس بقربها من الأجل وبعدها من الأمل قيل له : فبماذا يصل العبد إلى هذا؟ فقال : بقلب مفرد فيه توحيد مجرد ، وقال الحسن البصري رضي الله عنه : ما طلب رجل هذا الخير يعني الجنة إلا اجتهد ونحل وذبل واستمر واستقام حتى يلقي الله تعالى أما ترى إلى قوله تعالى : ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ (فصلت : 30).

جزء : 2 رقم الصفحة : 37

واعلم أن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يكونن أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل ولا كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل" قيل : ولا يصح رفع الهمة عن الحظوظ جملة لأن ذلك مكابرة مع الربوبية وإنما المراد أن لا يطلب بالعمل فعلامة العبد الأديب أن يستمر على الطاعة في باب مولاه ولا ينظر إلى شيء سواه لا إلى الجنة ولا إلى النار فإذا جرد عمله وتوحيده عن الأغراض فقد استقام واتخذ الصراط المستقيم مذهبا والإرشاد إلى هذا الطريق إنما يفيد لمن كان له استعداد أزلي وقابلية أصلية فبالتربية يصير العبد قابل أنوار الصفات الإلهية ويخرج من الظلمات البشرية فعليك بخدمة الكاملين والاستقامة في طريق اليقين.

زخود بهترى جوى وفرصت شمار

كه باون خودى كم كنى روز كار

وفي الاتباع شرف عظيم قال تعالى مخاطبا لحبيبه عليه السلام ﴿فبهدااهم اقتده﴾ (الأنعام : 90) وطاعة الرسول واتباعه من لوازم تقوى الله تعالى ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ فإذا داوم العبد الاتباع يصل إلى الاستقامة فإنها ليست مما يحصل في أول الأمر ، قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز.

سالها بايد كه اندر آفتاب

لعل يابد رنك ورخشاني وتاب

جزء : 2 رقم الصفحة : 37

﴿فلمآ﴾ الفاء فصيحة تفصح عن تحقق جميع ما قالته الملائكة وخروجه من القوة إلى الفعل كأنه قيل : فحملته فولدته فكان كيت وكيت وقال ذيت وذيت ﴿أحس عيسى﴾ أحس استعارة للعلم اليقيني الذي لا شبهة فيه كالإحساس وهو وجدان الشيء بالحاسة كأنه قيل

39

فلما علم ﴿منهم الكفر﴾ علما لا شبهة فيه كما يدرك بالحواس من الضروريات منهم الكفر أي : من بني إسرائيل وأرادوا قتله وأنهم لا يزدادون على رؤية الآيات إلا الإصرار على الجحود ﴿قال﴾ لخلص أصحابه مستنصرا على الكفار ﴿من أنصارى﴾ الأنصار جمع نصير ﴿إلى الله﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من الياء أي : من أنصاري متوجها إلى الله ملتجئا إليه ومن أعواني على إقامة الدين ﴿قال الحواريون﴾ جمع حواري يقال فلان حواري فلان أي : صفوته وخاصته وهم اثنا عشر بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادي السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام وأعوانه والمخلصين في محبته وطاعته ﴿نحن أنصار الله﴾ أي : أنصار دينه ورسوله قال تعالى : ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ (محمد : 7) والله ينصر من ينصر دينه ورسله ﴿بالله فإذآ﴾ استئناف جار مجرى العلة لما قبله فإن الإيمان به تعالى موجب لنصرة دينه والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾ مخلصون في الإيمان منقادون لما تريد من أمر نصرتك طلبوا منه عليه السلام الشهادة بذلك يوم القيامة يوم تشهد الرسل عليهم السلام لأممهم إيذانا بأن مرمى غرضهم السعادة الأخروية.

جزء : 2 رقم الصفحة : 39

﴿ربنآ ءامنا بمآ أنزلت﴾ من الإنجيل على عيسى وهو تضرع إلى الله تعالى وعرض لهم عليه تعالى بعد عرضها على الرسول مبالغة في إظهار أمرهم ﴿واتبعنا الرسول﴾ أي : عيسى على دينه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين فيدخل فيه الاتباع في النصرة دخولا أوليا ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي : مع الذين يشهدون بوحدانيتك أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم شهداء على الناس قاطبة وهو حال من مفعول اكتبنا.

وفيه إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السموات مع الملائكة قال تعالى : ﴿كلا إن كتاب الابرار لفى عليين﴾ (المطففين : 18) فإذا كتب الله ذكرهم مع الشهداء المؤمنين كان ذكرهم مشهورا في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٣٢