تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أنه لما بلغ عمره ثلاثين سنة أرسله الله إلى بني إسرائيل فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفع إلى السماء أو جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ثلاث سنين وأشهرا ثم رفع.

والكهل من تجاوز الثلاثين إلى الأربعين وقارب الشيب من اكتهل النبت قارب اليبس فعلى هذا صح أن يقال أنه بلغ سن الكهولة وكلم الناس فيه ثم رفع وأما على قول من يقول إن أول سن الكهولة أربعون سنة فلا بد أن يقال أنه رفع شابا ولا يكلم الناس كهلا إلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان فإنه حينئذ يكلم الناس ويقتل الدجال ﴿ومن الصالحين﴾ هذه الأربعة أحوال مقدرة من كلمة والمعنى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات وذكر قوله ومن الصالحين بعد ذكر الأوصاف المتقدمة دليل على أنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون المرء كذلك إلا بأن يكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح والطريق الأكمل ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح.

﴿قالت﴾ مريم متضرعة إلى ربها ﴿رب أنى يكون﴾ أي : كيف يكون أو من أين يكون ﴿لى ولد﴾ على وجه الاستبعاد العادي والتعجب من استعظام قدرة الله فإن البشرية تقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة إذ لم تجر عادة بأن يولد ولد بلا أب ﴿ولم يمسسنى بشر﴾ آدمي وسمي بشرا لظهوره وهو كناية عن الجماع أي : والحال أني على حالة منافية للولد ﴿قال﴾ أي : الله عز وجل أو جبريل عليه السلام ﴿كذالك﴾ إشارة إلى مصدر يخلق في قوله عز وجل ﴿الله يخلق ما يشآء﴾ أن يخلقه أي : الله يخلق ما يشاء أن يخلقه خلقا مثل ذلك الخلق العجيب والاحداث البديع الذي هو خلق الولد من غير أب فالكاف في محل النصب على أنها في الأصل

35

نعت لمصدر محذوف ﴿إذا قضى أمرا﴾ أي : أراد شيئا وأصل القضاء الأحكام أطلق على الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة بوجود الشيء لإيجابه إياه البتة ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ من غير ريث وهو تمثيل لكمال قدرته تعالى وسهولة تأتي المقدورات حسبما تقتضيه مشيئته وتصوير لسرعة حدوثها بما علم فيها من إطاعة المأمور المطيع للآمر القوي المطاع وبيان لأنه تعالى كما يقدر على خلق الأشياء مدرجا بأسباب ومواد معتادة يقدر على خلقها دفعة من غير حاجة إلى شيء من الأسباب والمواد.

قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن مريم رضي الله عنها كانت في غرفة قد ضربت دونها سترا إذا هي برجل عليه ثياب بيض وهو جبريل تمثل لها بشرا سويا أي : تام الخلق فلما رأيته قالت : أعوذ بالرحمن منك إن كانت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.

قال وهب وكان معها ذر قرابة يقال له يوسف النجار وكان يوسف هذا يستعظم ذلك فإذا أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر عليها فكان أول ما كلمها أن قال لها : قد دخل في صدري شيء أردت كتمانه فغلبني ذلك فرأيت الكلام أشفى لصدري قالت : قل قال : فحدثيني هل ينبت الزرع من غير بذر؟ قالت : نعم قال : فهل ينبت شجر من غير أصل؟ قالت : نعم قال : فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت : نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبت من غير بذر ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء من غير أنثى ولا ذكر فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء أكرمها الله به.

جزء : 2 رقم الصفحة : 34

روي أن عيسى عليه السلام حفظ التوراة وهو في بطن أمه وكانت مريم تسمع عيسى وهو يدرس في بطنها ثم لما شرف عالم الشهود أعطاه الله الزهادة في الدنيا فإنه كان يلبس الشعر ويتوسد الحجر ويستنير القمر وكان له قدح يشرب فيه الماء ويتوضأ فيه فرأى رجلا يشرب بيده فقال لنفسه : يا عيسى هذا أزهد منك فرمى القدح وكسره واستظل يوما في ظل خيمة عجوز فكان قد لحقه حر شديد فخرجت العجوز فطردته فقام وهو يضحك فقال : يا أمة الله ما أنت أقمتني وإنما أقامني الذي لم يجعل لي نعيما في الدنيا ولما رفع إلى السماء وجد عنده إبرة كان يرقع بها ثوبه فاقتضت الحكمة الإلهية نزوله في السماء الرابعة.

وفيه إشارة إلى أن السالك لا بد وأن ينقطع عن كل ما سوى الله ويتجرد عن العوائق حتى يسير مع الملأ الأعلى ويطير إلى مقام قاب قوسين أو أدنى.

روي أن موسى عليه السلام ناجى ربه فقال : اللهم أرني وليا من أوليائك فأوحى الله تعالى إليه أن اصعد إلى جبل كذا وأدخل زاوية كذا في كهف كذا حتى ترى وليي ففعل فرأى فيه رجلا ميتا توسد بلبنة وفوق عورته خرقة وليس فيه شيء غيره فقال : اللهم سألتك أن تريني وليك فأريتني هذا فقال : هذا هو وليي فوعزتي وجلالي لا أدخله الجنة حتى أحاسبه باللبنة والخرقة من أين وجدهما فحال أولياء الله الافتخار بالفقر وترك الدنيا والصبر على ما قدره الله :

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٩