تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا التذكير فخر للهلال ويناسب هذا ما حكي أن أم محمد والدة الشيخ أبي عبد الله بن الخفيف رحمهما الله تعالى كانت من العابدات القانتات وكان ابنها أبو عبد الله يحيي العشرة الأخيرة من رمضان ليدرك ليلة القدر ومن دأبه الملازمة إلى الصلاة فوق البيت وكانت والدته متوجهة إلى الله في البيت فليلة أن أخذت تظهر أنوار ليلة القدر نادت ابنها : أن يا محمد إن الذي تطلبه هو عندنا فتعال فنزل الشيخ فرأى الأنوار فخر على قدم أمه وكان يقول : علمت قدر والدتي منذ شاهدت فهذه هي حال والدته فانظر كيف أرشدت ابنها وكيف تفوقت عليه في الفضل والشرف مع كثرة رياضته واجتهاده أيضا فظهر أن من النساء من هي أفضل من الرجال وذلك بالوصول إلى جناب القدس وليس ذلك إلا بحسن الاستعداد والهداية الخاصة من الله تعالى أسعدنا الله وإياكم ونعوذ بالله من نساء زماننا حيث لا يرى فيهن من هي من أهل التقوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صنفان من أهل النار لم أرهما" يعني في عصره عليه السلام لطهارة ذلك العصر بل حدثا بعده "قوم معهم سياط" يعني أحدهما قوم في أيديهم سياط جمع سوط "كأذناب البقر يضربون بها الناس" وهم الذين يضربون بها السارقين عراة أو الطوافون على أبواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضروب والسباب "ونساء" يعني ثانيهما نساء "كاسيات" في الحقيقة "عاريات" في المعنى من لباس التقوى "مميلات" أي : قلوب الرجال إلى الفساد "مائلات" أي : إلى الرجال "رؤوسهن كأسمة البخت" يعني يعظمن رؤوسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسنمة البخت "المائلة" من الميل لأن أعلى السنام يميل لكثرة شحمه "لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" أي : يوجد من مسيرة أربعين عاما.

جزء : 2 رقم الصفحة : 32

﴿إذ قالت الملائكة﴾ بدل من واذ قالت الملائكة منصوب بناصبه والمراد بالملائكة جبريل وجمع تعظيما له وقد مر يا مريم إن الله يبشرك} أي : يفرحك ﴿بكلمة﴾ كائنة ﴿منه﴾ عز وجل وأطلق على عيسى لفظ الكلمة بطريق إطلاق السبب على المسبب لأن سبب ظهوره وحدوثه هو الكلمة الصادرة منه تعالى وهي كن وحدوث كل مخلوق وإن كان بسبب هذه الكلمة لكن السبب المتعارف للحدوث لما كان مفقودا في حق عيسى عليه السلام كان إسناد حدوثه إلى الكلمة أتم وأكمل فجعل عليه السلام بهذا الاعتبار كأنه نفس الكلمة ﴿اسمه﴾ أي : اسم المسمى بالكلمة عبارة عن مذكر ﴿المسيح﴾ لقب من الألقاب

34

المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿عيسى﴾ بدل من المسيح معرب من ايشوع ﴿ابن مريم﴾ صفة لعيسى وتوجه الخطاب إلى مريم يقتضي أن يقال عيسى ابنك إلا أنه قيل : عيسى ابن مريم تنبيها على أن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات فاعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين.

فإن قلت : لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة ، قلت : الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره فكأنه قيل الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة.

وفي التيسر اللقب إذا عرف صار كالاسم ﴿وجيها﴾ حال من الكلمة وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة والوجيه ذو الجاه وهو القوة والمنعة والشرف ﴿فى الدنيا﴾ بالنبوة والتقدم على الناس ﴿والاخرة﴾ بالشفاعة وعلو الدرجة في الجنة ﴿ومن المقربين﴾ أي : عند ربه بارتفاعه إلى السماء وصحبة الملائكة فيها ﴿ويكلم الناس فى المهد وكهلا﴾ أي : يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا كلام الأنبياء عليهم السلام من غير تفاوت يعني أن تكلمه في حالة الطفولية والكهولة على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت بأن يكون كلامه في حال الطفولية مثل كلام الأنبياء والحكماء لا شك أنه من أعظم المعجزات.

قال مجاهد قالت مريم : إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه إنسان يسبح في بطني وأنا أسمع وتكلمه معهم دليل على حدوثه لحدوث الأصوات والحروف.

جزء : 2 رقم الصفحة : 34

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٨