﴿ذالك﴾ أي : ما ذكرنا في القصص من حديث حنة ومريم وعيسى وزكريا ويحيى ﴿من أنابآء الغيب﴾ أي : من أخبار الغيب التي لا يوقف عليها إلا بمشاهدة أو قراءة كتاب أو تعلم من عالم أو بوحي من عند الله تعالى وانعدمت الثلاثة الأول فتعينت الرابعة وهو الوحي ﴿نوحيه إليك﴾ أي : ننزله عليك دلالة على صحة نبوتك وإلزاما على من يحاجونك من الكفار.
والوحي في القرآن لمعان للإرسال إلى الأنبياء قال تعالى : ﴿نوحى إليهم﴾ (يوسف : 190) وللإلهام قال تعالى : ﴿وأوحينآ إلى أم موسى﴾ (القصص : 7) ولإلقاء المعنى المراد قال تعالى : ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ (الزلزلة : 5) وللإشارة قال تعالى : ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا﴾ (مريم : 11) وأصل ذلك كله الإعلام في خفاء ﴿وما كنت لديهم﴾ أي : عند الذين اختلفوا وتنازعوا في تربية مريم وهو تقرير لكونه وحيا على طريقة التهكم بمنكريه أي : أنهم عالمون لا يشكون أنك لم تقرأ كتابا ولم تصحب من علم تلك الأنباء حتى تسمع منهم فلم يبق إلا المشاهدة وهي منتفية بالضرورة فكأنهم ادعوا هذا المحال لكونه يلزم من إنكارهم الوحي أي : إن لم يكن بالوحي كما زعموا فلا بد من دعوى المشاهدة ولم تمكن.
قال ابن الشيخ في حواشيه : كأنه قيل : أيها المنكرون لأن أوحي إليه والمتهمون في دعوى نبوته ليس لكم في سبب الإتهام سوى احتمال المشاهدة والعيان وأنه غاية السفاهة ونهاية الخذلان ومن أضل ممن عدل عن الاحتمال الثابت بالمعجزات الساطعة والبراهين القاطعة إلى احتمال لا يذهب إليه وهم أحد وأي حالة ادعى إلى الضحك والاستهزاء والسخرية من حال هؤلاء انتهى ﴿إذ يلقون أقلامهم﴾ التي كانوا يكتبون بها التوراة اختاروها للقرعة تبركا بها ﴿أيهم يكفل مريم﴾ متعلق بمحذوف دل عليه يلقون أقلامهم أي : يلقونها ينظرون أو ليعلموا أيهم يكفلها ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ أي : في شأنها تنافسا في كفالتها وقد ذكر فيما سبق.
وفي الآية دلالة على فضيلة مريم حيث اصطفاها الله على نساء العالمين فإن جميع ما ذكر من التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها والتربية الروحانية المتعلقة بحال كبرها لم يتفق لغيرها من الإناث.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية" حديث حسن يوافق الآية في الدلالة على أن مريم أفضل من جميع نساء العالمين.
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" وهو يدل على أن هؤلاء الأربع أفضل من سائر النساء.
جزء : 2 رقم الصفحة : 32
واعلم أن أهل الكمال من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير هذه الأربع ومعنى الكمال
33
التناهي في الفضائل والبر والتقوى وحسن الخصائل والكمال في شيء ما يكون حصوله للكامل أولى من غيره والنبوة ليست أولى للنساء لأن مبناها على الظهور والدعوة وحالهن الاستتار ولا تكون النبوة في حقهن كمالا بل الكمال في حقهن الصديقية وهي قريب من النبوة والصديق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله فمن النساء كاملات عارفات واصلات إلى مقام الرجال فهن رجال في المعنى.
وسئل بعضهم عن الأبدال فقال أربعون نفسا فقيل له لم لا تقول أربعون رجلا قال : لأن فيهم النساء ، قال بعضهم :
ولو كان النساء كمن ذكرنا
لفضلت النساء على الرجال
فلا التأنيث لاسم الشمس عيب