تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن عيسى عليه السلام حين ترقى إلى أعلى مراتب الذكر جاءه إبليس فقال : يا عيسى اذكر الله فتعجب عيسى من أمره بالذكر مع أن جبلته على المنع منه ثم ظهر أنه أراد أن يغويه وينزله من مرتبة الذكر القلبي إلى مرتبة الذكر اللساني وذلك كان تنزلا بالنسبة إلى مقامه عليه السلام ، فعلى العاقل أن يداوم على الأذكار آناء الليل وأطراف النهار فإن الذكر يدفع هوى النفس فإذا طرد ذلك من الباطن فلا سبيل للشيطان أيضا في الظاهر فتعلق أبواب المنهيات بالكليات ويتصفى القلب ويتكدر :

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

يا ي بيفشان از آيينه كرد

كه صيقل نكيرد ونكار خورد

قال القشيري : فذكر اللسان به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب والتأثير للذكر فإذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل في وصفه في حال سلوكه.

قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه : ما من يوم إلا والجليل سبحانه ينادي عبدي ما أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك إلي وذهب إلى غيري واذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا إذا جئتني.

وقال الحسين : افتقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء في الصلاة والذكر والقراءة فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.

قيل : إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرخ كما يصرخ الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا فيقول قد مسه الإنس.

قال بعضهم وصف لي ذاكر في أجمة فأتيته فبينما هو جالس إذا سبع عظيم ضربه ضربة واستلب منه قطعة فغشى عليه وعلي فلما أفقت قلت : ما هذا؟ فقال : قيض الله هذا السبع لي فكلما داخلتني فترة غضني كما رأيت أوصلنا الله وإياكم إلى مرتبة اليقين وشرفنا بمقام التمكين وأذاقنا حلاوة الذكر في كل حين وأدخلنا الجنة المعنوية مع عباده الصالحين أجمعين.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

﴿وإذ قالت الملائكة﴾ أي : اذكر وقت قول الملائكة وهو جبريل بدلالة قوله تعالى في سورة مريم ﴿فأرسلنآ إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾ أي : سوى الخلق لتستأنس به وإنما جمع تعظيما له لأنه كان رئيس الملائكة يا مريم} وكلام جبريل معها لم يكن وحيا إليها فإن الله يقول : ﴿ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم﴾ ولا نبوة في النساء بالإجماع.

فكلمها شفاها كرامة كلها وكرامات الأولياء حق أو إرهاصا لنبوة عيسى عليه السلام وهو من الرهص بالكسر وهو الصف الأسفل من الجدار وفي الاصطلاح أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم الحجر والمدر والرمي بالشهب وقصة الفيل وغير ذلك ﴿إن الله اصطفاك﴾ أولا حيث تقبلك من أمك بقبول حسن ولم يتقبل غيرك أنثى ورباك في حجر زكريا عليه السلام ورزقك من رزق الجنة وخصك بالكرامات السنية ﴿وطهرك﴾ من الكفر والمعصية ومن الأفعال الذميمة والعادات القبيحة ومن مسيس الرجال ومن الحيض والنفاس قالوا : كانت مريم لا تحيض ومن تهمة اليهود وكذبهم بإنطاق الطفل آخرا ﴿على نسآء العالمين﴾ بأن وهب لك عيسى عليه السلام من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء وجعلكما آية للعالمين يا مريم اقنتى لربك} أي : قومي في الصلاة أطيلي القيام

32

فيها له تعالى ﴿واسجدى واركعى مع الراكعين﴾ أمرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها القنوت وهو طول القيام والسجود والركوع مبالغة في إيجاب رعايتها وإيذانا بفضيلة كل منها وأصالته.

جزء : 2 رقم الصفحة : 32

وتقديم السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجود أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع ولا يقتضي ذلك كون الترتيب الخارجي كذلك بل اللائق به الترقي من الأدنى إلى الأعلى وإما ليقترن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوع في صلاتهم ليسوا مصلين قيل لما أمرت بذلك قامت في الصلاة حتى تورمت قدماها وسالت دما وقيحا.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٦