تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فنادته الملائكة﴾ أي : جبرائيل وحكم الواحد من الجنس قد ينسب إلى الجنس نفسه نحو فلان يركب الخيل وإنما يركب واحدا من أفرادها ولما كان جبرائيل رئيسهم عبر عنه باسم الجماعة تعظيما له ﴿وهو﴾ حال من مفعول النداء أي : والحال أن زكريا عليه السلام ﴿قآئم يصلى فى المحراب﴾ أي : في المسجد أو في غرفة مريم ﴿إن الله﴾ مفعول ثان لنادته أي : بأن الله تعالى ﴿يبشرك بيحيى﴾ أي : بولد اسمه يحيى لأنه حيي به رحم أمه ولأنه تحيي به المجالس من وعظه والتقدير بولادة ولد اسمه يحيى فإن التبشير لا يتعلق بالأعيان ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ أي : بعيسى عليه السلام ، وإنما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كن من غير أب فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر وهو أول من آمن بعيسى وصدق بأنه كلمة الله وروح منه ويسمى روحا أيضا لأنه تعالى أحيى به من الضلالة كما يحيي الإنسان بالروح.

قال السعدي : لقيت أم يحيى أم عيسى فقالت : يا مريم أشعرت بحبلي؟ فقالت مريم : وأنا أيضا حبلى قالت : فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى : ﴿مصدقا﴾ الخ وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر

30

ثم قتل يحيى قبل أن رفع عيسى إلى السماء ﴿وسيدا﴾ عطف على مصدقا أي : رئيسا يسود قومه ويفوقهم في الشرف وكان فائقا للناس قاطبة فإنه لم يلم بخطيئة ولم يهم بمعصية فيا لها ما أسناها ﴿وحصورا﴾ أي : مبالغا في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة.

روي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت.

والحصور الممتنع من النساء مع القدرة عليهما وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره ﴿ونبيا﴾ أي : يوحى إليه إذا بلغ هو مبلغه ﴿من الصالحين﴾ أي : ناشئا منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم السلام.

والصلاح صفة تنتظم الخير كله والمراد به هنا ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه.

﴿قال﴾ عند نداء الملائكة إياه وبشارتهم له بالولد بالاستفهام متعجبا من حيث العادة ومسرورا بالولد ﴿رب أنى يكون لي﴾ أي : كيف يحصل لي ﴿غلام﴾ وفيه دلالة على أنه خبر بكونه غلاما عند التبشير ﴿وقد بلغنى الكبر﴾ أي : أدركني كبر السن وأثر في ، وفيه دلالة على أن كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت طالب للإنسان لا يكاد يتركه قيل : كان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون ﴿وامرأتى عاقر﴾ أي : ذات عقر وعقيم لا تلد ﴿قال﴾ أي : الله ﴿كذالك﴾ إشارة إلى مصدر يفعل في قوله تعالى : ﴿الله يفعل ما يشآء﴾ أي : ما يشاء أن يفعله من تعاجيب الأفاعيل الخارقة للعادات.

فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعت لمصدر محذوف أي : الله يفعل ما يشاء أن يفعله فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

﴿قال رب اجعل لى ءاية﴾ أي : علامة تدل أي : تحقق المسؤول أو وقوع الحبل وإنما سألها لأن العلوق أمر خفي لا يوقف عليه فأراد أن يطلعه الله عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره إلى أن يظهره ظهورا معتادا ﴿قال ءايتك﴾ أي : علامة حدوث الولد ﴿ألا تكلم الناس﴾ أي : أن لا تقدر على تكليمهم ﴿ثلاثة أيام﴾ أي : متوالية مع لياليها فإن ذكر الليالي أو الأيام يقتضي دخول الأخرى فيها لغة وعرفا وإنما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر الله وشكره قضاء لحق النعمة ﴿إلا رمزا﴾ أي : إشارة بيد أو رأس أو نحوهما وسمي الرمز كلاما لأنه يؤدي ما يؤدي الكلام ويفهم منه ما يفهم من الكلام فلهذا جاز الاستثناء المتصل منه ثم أمره تعالى بذكره لعدم منعه عن ذكر الله فقال : ﴿واذكر ربك﴾ أي : في أيام الحبسة شكرا لحصول التفضل والإنعام ﴿كثيرا﴾ أي : ذكرا كثيرا ﴿وسبح بالعشى﴾ أي : سبحه تعالى أي : من الزوال إلى الغروب ﴿والابكار﴾ من طلوع الفجر إلى الضحى.

قال الإمام في قوله تعالى : ﴿واذكر ربك كثيرا﴾ فيه قولان : أحدهما أنه تعالى أمر بحبس لسانه عن أمور الدنيا إلا رمزا فأما في الذكر والتسبيح فقد كان لسانه جيدا وكان ذلك من المعجزات الباهرة ، والقول الثاني أن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في أول الأمر أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكتوا باللسان وبقي الذكر بالقلب ولذلك قالوا : من عرف الله كل لسانه فكان زكريا عليه السلام أمر بالسكوت باللسان والاستحضار معا في الذكر والمعرفة

31

واستدامتهما انتهى.

واعلم أن الذكر على مراتب والذكر اللساني بالنسبة إلى الذكر القلبي تنزل.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٥