تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أنها لا يدخل عليها إلا هو وحده فإذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكلما دخل ﴿وجد عندها رزقا﴾ أي : نوعا منه غير معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة وكان يجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء وفي الشتاء فاكهة الصيف ولم ترضع ثديا قط ﴿قال﴾ كأنه قيل فماذا قال زكريا عليه السلام عند مشاهدة هذه الآية؟ فقيل قال : يا مريم أنى لك هاذا} أي : من أين يجيء لك هذا الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخلة به إليك ﴿قالت﴾ مريم وهي صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد ﴿هو من عند الله﴾ فلا تعجب ولا تستبعد ﴿إن الله يرزق من يشآء﴾ أن يرزقه ﴿بغير حساب﴾ أي : بغير تقدير لكثرته أو بلا محاسبة أو من حيث لا يحتسب وهو تعليل لكونه من عند الله إما من تمام كلامها فيكون في محل النصب وإما من كلامه عز وجل فهو مستأنف.

وفي الآية دليل على جواز الكرامة للأولياء ومن أنكرها جعل هذا إرهاصا وتأسيسا لرسالته عليه السلام.

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع بها إليها وقال : "هلمي يا بنية" فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله فقال لها صلى الله عليه وسلم "أنى لك هذا" فقالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال صلى الله عليه وسلم "الحمدالذي جعلك شبيهة بسيدة بني إسرائيل" ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والحسنين رضي الله عنهم وجمع أهل بيته عليه فأكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة رضي الله عنها على جيرانها.

وقد ظهر على السلف رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين ثم على من بعدهم من الكرامات.

قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاقك.

قال الشيخ أبو العباس رحمه الله : ليس الشأن من تطوي له الأرض فإذا هو بمكة وغيرها من البلدان إنما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه.

وقيل لأبي يزيد : إن فلانا يمشي على الماء قال الحوت أتجب منه إذ هو شأنه ، فقيل له : إن فلانا يمشي في الهواء قال : الطير أعجب من ذلك إذ هو حاله ، قيل له : كان فلان يمشي إلى مكة ويرجع من يومه قال إبليس : أعجب من ذلك إذ هو حاله تطوى له الأرض كلها في لحظة وهو في لعنة الله فالطي الحقيقي أن تطوي مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك لأن الأرض تطوي لك فإذا

29

أنت حيث شئت من البلاد لأن هذا ربما جر إلى الاغترار وذلك يؤدي للتعلق بالواحد القهار.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

وحكي عن أبي عنوان الواسطي قال : انكسرت السفينة وبقيت أنا وامرأتي أياما على لوح وقد ولدت في تلك الحالة صبية فصاحت بي فقالت : يقتلني العطش فرفعت رأسي فإذا رجل في الهواء جالس في يده سلسلة في ذهب وفيها كوز من ياقوت أحمر وقال : هاك اشربا قال : فأخذت الكوز وشربنا منه فإذا هو أطيب من المسك وأحلى من العسل فقلت : من أنت يرحمك الله قال : أنا عبد لمولاك فقلت : بم وصلت إلى هذا فقال : تركت هواي لمرضاته فأجلسني في الهواء ثم غاب عني فلم أره.

وحج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي الله عنهما فعرض لهما سبع فقال سفيان لشيبان أما ترى هذا السبع؟ فقال : لا تخف وأخذ شيبان أذنيه فعركهما فتبصبص وحرك ذنبه فقال سفيان : ما هذه الشهرة؟ فقال : لولا مخافة الشهرة لما وضعت زادي إلا على ظهره حتى آتى مكة :

توهم كردن از حكم داور مي

كه كردن نه يدز حكم توهي

محالست ون دوست داردترا

كه دردست دشمن كذا رد ترا

﴿هنالك﴾ أي : حيث كان قاعدا عند مريم في المحراب ولما رأى زكريا عليه السلام حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أختها كذلك ﴿دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك﴾ أي : أعطني من محض قدرتك من غير وسط معتاد ﴿ذرية طيبة﴾ أي : ولدا صالحا مباركا تقيا رضيا مرضيا.

والذرية : النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد.

والطيب هو الذي تستطاب أفعاله وأخلاقه فلا يكون فيه أمر يستخبث ويعاب ﴿إنك سميع الدعآء﴾ أي : مجيبه كما في قولهم سمع الله لمن حمده وهذا لأن من لم يجب فكأنه لم يسمع ، فإن قيل : إن زكريا كان عالما أن في قدرة الله ذلك قبل رؤية حال مريم فهلا سأل قبل ذلك ، قلنا : يزداد الإنسان رغبة في الشيء إذا عاينه وإن كان عالما به قبله.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٤