ولما دخل الواسطي نيسابور سأل أصحاب الشيخ أبي عثمان المغربي بم يأمركم شيخكم؟ قالوا : كان يأمرنا بالتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها فقال : أمركم بالمجوسية المحضة هلا آمركم بالغيبة عنها بشهود منشئها ومجريها.
قال القشيري وإنما أراد الواسطي صيانتهم عن محل الإعجاب لا تعريجا في أوطان التقصير أو تجويزا للإخلال بأدب من الآداب.
قال النهرجوري من علامة من تولاه الله في أعماله أن يشهد التقصير في إخلاصه والغفلة في أذكاره والنقصان في صدقه والفتور في مجاهدته وقلة المراعاة في فقره فتكون جميع أحواله عنده غير مرضية ويزداد فقرا إلى الله في فقره وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه.
قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه في إشارة قوله تعالى : ﴿يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل﴾ (الحج : 61) يولج المعصية في الطاعة ويولج الطاعة في المعصية يطيع العبد الطاعة فيعجب بها ويعتمد عليها ويستصغر من لم يفعلها ويطلب من الله العوض عليها فهذه حسنة أحاطت بها سيئات ويذنب الذنب فيلجأ إلى الله فيه ويستصغر نفسه ويستعظم من لم يفعله فهذه سيئة أحاطت بها حسنات فأيتهما الطاعة وأيتهما المعصية فعلى السالك أن يجتهد في الطاعات ولا يغتر بالعبادات لعله يصل إلى غاية الغايات في روضات الجنات :
جزء : 2 رقم الصفحة : 26
ه زرها بخاك سيه دركنند
كه باشد كه روزى مسى زركنند
يعني أن المشتغلين بتحصيل صنعة الكيمياء يجعلون دنانير كثيرة تحت التراب أي : يبذلونها لتحصيلها ويفرقونها في أسبابها كي يصير النحاس في أيديهم ذهبا بحتا ويتشرفوا بوصولها :
زر ازبهر يزى خريدن نكوست
ه خواهي خريدن به ازوصل دوست
فالسعي في الأعمال إنما هو لطلب رضى الله ووصول جنابه وهو الذي يبذل في طريقه المال والروح لينفتح باب الفتوح.
قال الشيخ الشاذلي قدس سره في "لطائف المنن" : واعلموا أن الله أودع أنوار الملكوت في أصناف الطاعات فأي من فاته من الطاعات صنف أو أعوزه من الموافقات جنس فقد فقد من النور بمقدار ذلك ولا تهملوا شيئا عن الطاعات ولا تستغنوا عن الأوراد بالواردات ولا ترضوا لأنفسكم بما رضي به المدعون بحر الحقائق على ألسنتهم وخلوا أنوارها من قلوبهم انتهى ، فينبغي للعبد أن يواظب على أصناف الطاعات وينساها بعدما عملها كيلا يبطلها العجب لأنه يقال حفظ الطاعة أشد من فعلها لأن مثلها كمثل الزجاج يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر وكذا الخيرات إذا أزيلت بالمخالفات ﴿وكفلها زكريا﴾ الفعلتعالى بمعنى وضمنها الله إلى زكريا وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها قائما بتدابير أمورها والكافل هو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه وفي الحديث : "أنا وكافل اليتيم كهاتين" وهو زكريا بن أذن بن مسلم بن صدون من أولاد سليمان عليه السلام ابن داود عليه السلام.
روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة أي : خذوها
28
فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقرع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر قيل هو نهر الأردن فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح فألقوا ثلاث مرات ففي كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها.
قال الشيخ في تفسيره وهو معنى قوله ﴿فتقبلها ربها﴾ الآية ﴿كلمآ﴾ أي : كل وقت ﴿دخل عليها﴾ أي : على مريم ﴿زكريآ﴾ فاعل دخل ﴿المحراب﴾ أي : في المحراب قيل : بنى لها محرابا في المسجد أي : غرفة تصعد إليها بسلم أو المحراب أشرف المجالس ومقدمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس أو كانت مساجدهم تسمى المحاريب.
جزء : 2 رقم الصفحة : 26