تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأنثى ﴿إنك أنت السميع﴾ لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعي ودعائي ﴿العليم﴾ لكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري لا غير ﴿فلما وضعتها﴾ أي : ولدت النسمة وهي أنثى ﴿قالت﴾ حنة وكانت ترجو أن تكون غلاما ﴿رب إنى﴾ التأكيد للرد على اعتقادها الباطل ﴿وضعتهآ أنثى﴾ تحسرا على ما رأته من خيبة رجائها وعكس تقديرها والضمير المتصل عائد إلى النسمة وأنثى حال منه ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ تعظيم من جهته تعالى لموضوعها فإنها لما تحسرت وتحزنت على أن ولدت أنثى قال الله تعالى إنها لا تعلم قدر هذا الموهوب والله هو العالم بالشيء الذي وضعته وما علق به من العجائب وعظائم الأمور فإنه تعالى سيجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم به فلذلك تحسرت وتحزنت ﴿وليس الذكر كالانثى﴾ مقولأيضا مبين لتعظيم موضوعها ورفع منزلته.

واللام فيهما للعهد أي : ليس الذكر الذي كانت تطلبه وتتخيل فيه كمالا قصاراه أن يكون كواحد من السدنة كالأنثى التي وهبت لها فإن دائرة علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور فهي أفضل من مطلوبها وهي لا تعلم وهاتان الجملتان من مقول الله تعالى اعتراضان بين قول أم مريم ﴿إنى وضعتهآ أنثى﴾ وقولها : ﴿وإنى سميتها مريم﴾ من مقول حنة عطف على قولها ﴿إنى وضعتهآ﴾ أي : إني جعلت اسمها مريم وغرضها من عرضها على علام الغيوب التقرب إليه تعالى واستدعاء العصمة لها فإن مريم في لغتهم بمعنى العابدة وخادم الرب وإظهار أنها غير راجعة في نيتها وإن كان ما وضعته أنثى وإنها لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات فيه وظاهر هذا الكلام يدل على أن عمران كان قد مات قبل وضع حنة مريم وإلا لما تولت الأم تسمية المولود لأن العادة أن التسمية يتولاها الآباء ﴿وإنى أعيذها بك﴾ أي : أجيرها بحفظك ﴿وذريتها﴾ عطف على الضمير المنصوب أي : أولادها ﴿من الشيطان الرجيم﴾ أي : المطرود.

وأصل الرجم الرمي بالحجارة وعن النبي صلى الله عليه وسلم "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه إلا مريم وابنها" ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

﴿فتقبلها﴾ أي : أخذ مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر ﴿ربها﴾ مالكها ومبلغها إلى كمالها اللائق ﴿بقبول حسن﴾ بوجه حسن يقبل به النذائر وهو قبول تلك الأنثى مع أنوثتها وصغرها فإن المعتاد في تلك الشريعة أن لا يجوز التحرير إلا في حق غلام عاقل قادر على خدمة المسجد وهنا لما علم الله تعالى تضرع حنة قبل بنتها حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد ﴿وأنابتها نباتا حسنا﴾ مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها مما يصلح في جميع أحوالها ثم إن الله تعالى ذكر قبولها منها وذلك لضعفها وصدق نيتها في الابتداء وحيائها في الانتهاء وكان في ذلك الزمان أربعة آلاف محرر لم يشتهر خبر أحد منهم اشتهار خبرها.

وفيه تنبيه للعبد على أن يرى من نفسه التقصير بعد جهدها ليقبل الله عملها لإظهار إفلاسها وإضمار إخلاصها رزقنا الله وإياكم :

طريقت همينست كاهل يقين

نكو كار بودند وتقصير بين

27

واعلم أنه سبحانه قطع السائرين له وهم المريدون والواصلين إليه وهم المرادون عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم.

أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها فانقطعوا إليه برؤية تقصيرهم.

وأما الواصلون فلأنه غيبهم شهوده عنها لأنه الفعال وهم آلة مسخرة.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢٢