تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم اعلم أن الولادة المعنوية أكثرها تتبع الصورية في التناسل ولذلك كان الأنبياء في الظاهر أيضا نسلا واحدا ثمرة شجرة واحدة وسببه أن الروح في الصفاء والكدورة يناسب المزاج في القرب من الاعتدال الحقيقي وعدمه وقت التكون فلكل روح مزاج يناسبه ويخصه إذ الفيض يصل بحسب المناسبة وتتفاوت الأرواح في الأزل بحسب صفوتها ومراتبها في القرب والبعد عن الحضرة الأحدية فتتفاوت الأمزجة بحسبها في الأبد لتتصل بها والأبدان المتناسلة بعضها من بعض متشابهة في الأمزجة على الأكثر اللهم إلا لأمور عارضة اتفاقية فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة في الرتبة متناسبة في الصفة وهذا مما يقوي أن المهدي يكون من نسل محمد عليه السلام.

والأغذية مؤثرة في البدن.

فمن كان غذائه حلالا طيبا وهيآت نفسه فاضلة نورانية ونياته صادقة حقانية جاء ولده مؤمنا صديقا أو وليا أو نبيا.

ومن كان غذائه حراما وهيآت نفسه خبيثة ظلمانية ونياته فاسدة رديئة جاء ولده فاسقا أو كافرا أو زنديقا إذ النطفة التي يكون الولد منها متولدة من ذلك الغذاء مرباة في تلك النفس فيناسبها ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الولد سر أبيه" وكان صدق مريم ونبوة عيسى ببركة صدق نيتها.

جزء : 2 رقم الصفحة : 24

﴿إذ﴾ منصوب باذكر ﴿قالت امرأت عمران﴾ وهي امرأة عمران بن ماثان أم مريم البتول جدة عيسى عليه السلام وهي حنة بنت فاقوذا.

فإن قلت : كان لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون ولعمران بن ماثان مريم البتول فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهارون.

قلت : كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول لأن زكريا بن أذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد وقد تزوج زكريا بنته ايشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا له فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت : اللهم إن لك علي نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل وذلك قوله تعالى : ﴿رب إني نذرت لك﴾ والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه ﴿ما في بطني﴾ عبر عن الولد بما لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء ﴿محررا﴾ أي : معتقا لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء أو خالصاولعبادته لا يعمل عمل الدنيا ولا يتزوج فيتفرغ لعمل الآخرة وكان هذا النذر مشروعا عندهم لأن الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد ولم يكن أحد من الأنبياء إلا ومن نسله محرر لبيت المقدس ولم يكن يحرر إلا الغلمان ولا تصح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى فتحتاج إلى الخروج ولكن حررت حنة ما في بطنها مطلقا إما لأنها بنت الأمر على تقدير الذكورة أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر ﴿فتقبل مني﴾ أي : ما نذرته والتقبل.

جزء : 2 رقم الصفحة : 26

أخذ الشيء على وجه الرضى وهذا في الحقيقة استدعاء للولد إذ لا يتصور القبول بدون تحقق المقبول بل للولد الذكر لعدم قبول

26

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٢١