﴿إن الله اصطفى ءادم﴾ الاصطفاء أخذ ما صفا من الشيء كالاستصفاء أي : اختار آدم بالنفس القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية المستتبعة للرسالة في نفس المصطفى كما في كافة الرسل عليهم السلام أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في مريم أو اصطفاه بأن خلقه بيده في أحسن تقويم وبتعليم الأسماء واسجاد الملائكة إياه وإسكانه الجنة اصطفى ﴿نوحا﴾ بما ذكر من الوجه الأول أو اصطفاه بكونه أول من نسخ الشرائع إذ لم يكن قبل ذلك تزويج المحارم حراما وباطلة عمره وجعل ذريته هم الباقين واستجابة دعوته في حق الكفرة والمؤمنين وحمله على متن الماء اصطفى ﴿إبراهيم الكتاب﴾ وهو إسماعيل
24
وإسحق والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم النبي صلى الله عليه وسلم ويفهم من اصطفائهم اصطفاء إبراهيم بطريق الأولوية ﴿و﴾ اصطفى ﴿عمران على﴾ وهو عيسى وأمه مريم ابنة عمران بن ماتان بن العادر بن أبي هود بن رب بابل بن ساليان بن يوحنا بن اوشا بن أوموذر بن ميشك بن خارقا بن يونام بن غرزيا بن يوزان بن ساقط بن ايشا بن راجقيم بن سليمان بن داود عليهما السلام بن ايشا بن عويل بن سلمون بن ياعر بن ممشون بن عمياد بن دام بن حضروم بن فارض بن يهودا بن يعقوب عليه السلام.
وقيل آل عمران هو موسى وهارون عليهما السلام ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب عليه السلام وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة فيكون اصطفاء عيسى عليه السلام بالاندراج في آل إبراهيم والأول هو الأظهر بدليل تعقيبه بقصة مريم واصطفاء موسى وهارون عليهما السلام بالانتظام في سلك آل إبراهيم انتظاما ظاهرا ﴿على العالمين﴾ جمع عالم وهو اسم لنوع من المخلوقين فيه علامة يمتاز بها عن خلافه من الأنواع كالملك والجن والإنس يقال عالم البر وعالم البحر وعالم الأرض وعالم السماء والمراد بالعالمين أهل زمان كل واحد منهم أي : اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه ﴿ذرية﴾ نصب على البدلية من الآلين.
والذر بفتح الذال : البث والتفريق ، وسمى نسل الثقلين ذرية لأن الله تعالى قد بثهم في الأرض أو لأن الله أخرج نسل آدم عليه السلام من صلبه كهيئة الذر وهو جمع ذرة وهي أصغر النمل الذرء أيضا : الخلق والله تعالى خلقهم وأظهرهم من العدم إلى الوجود
جزء : 2 رقم الصفحة : 24
﴿بعضها منا بعض﴾ في محل النصب على أنه صفته لذرية يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض فإن آل إبراهيم أعني إسماعيل وإسحق متشعبان من إبراهيم المتشعب من نوح المتشعب من آدم وأولادهما إلى آخر أنبياء بني إسرائيل وإلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين متشعبون منهما وآل عمران وهو موسى وهارون من ذرية إبراهيم ونوح وآدم وكذا عيسى وأمه مريم عليهما السلام ﴿والله سميع﴾ لأقوال العباد ﴿عليم﴾ بأعمالهم البادية والخافية فيصطفي من بينهم لخدمته من يظهر استقامته قولا وفعلا على نهج قوله تعالى : ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (الأنعام : 134).
ودلت الآية على صحة أنكحة الكفار حيث ثبت نسب بعضهم من بعض بها قال صلى الله عليه وسلم "ولدت من نكاح لا من سفاح".
واعلم أن الاصطفاء أعم من المحبة والخلة فيشمل الأنبياء كلهم لأنهم خيرة الله وصوفته وتتفاضل فيه مراتبهم كما قال تعالى : ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ (البقرة : 253) فأخص المراتب هو المحبة المشار إليها بقوله : ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ فلذلك كان أفضلهم حبيب الله محمدا عليه السلام ثم الخلة التي هي صفة إبراهيم عليه السلام وأعمها الصفاء الذي هو صفة آدم صفي الله عليه السلام ﴿ذريةا بعضها منا بعض﴾ في الدين والحقيقة إذ الولادة قسمان : صورية ومعنوية فكل نبي يتبع نبيا آخر في التوحيد والمعرفة وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ في زماننا هذا وكما قيل الآباء ثلاثة : أب ولدك ، وأب رباك ، وأب علمك ، وكما أن وجود البدن في الولادة الصورية يتولد في رحم أمه من نطفة أبيه فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية يظهر في رحم استعداد النفس من نفخة الشيخ والمعلم وإلى هذه الولادة
25
أشار عيسى عليه السلام بقوله : (لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين).