وقال القاشاني : محبة النبي عليه السلام إنما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة ولا تتمشى دعوى المحبة إلا بهذا فإنه قطب المحبة ومظهرها وطريقته صلى الله عليه وسلم المحبة فمن لم يكن له من طريقته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب وإذا تابعه حق المتابعة ناسب باطنه وسره وقلبه ونفسه باطن النبي وسره وقلبه ونفسه وهو مظهر المحبة فلزم بهذه المناسبة أن يكون لهذا التابع قسط من محبة الله بقدر نصيبه من المتابعة فيلقي الله محبته عليه ويسري من روح النبي نور تلك المحبة أيضا إلى قلبه أسرع ما يكون إذ لولا محبة الله لم يكن محبا له ثم نزل عن هذا المقام لأنه أعز من الكبريت الأحمر ودعاهم إلى ما هو أعم من مقام المحبة وهو مقام الإرادة فقال : "قل أطيعوا الله والرسول" أي : إن لم تكونوا محبين ولم تستطيعوا متابعة حبيبي فلا أقل من أن تكونوا مريدين مطيعين لما أمرتم به فإن المريد يلزمه طاعة المراد وامتثال أمره ﴿فإن تولوا﴾ أي : إن أعرضوا عن ذلك أيضا فهم كفار محجوبون انتهى.
جزء : 2 رقم الصفحة : 21
وروى البخاري عن عبد الله بن هشام أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال عمر : يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي
23
فقال عليه السلام : "والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" فقال عمر : فإنه الآن والله أنت أحب إلي من نفسي فقال عليه السلام : "الآن يا عمر صار إيمانك كاملا" وقال صلى الله عليه وسلم "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا ومن يأبى قال : "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" وعن جابر بن عبد الله أنه قال : جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم وقال بعضهم أن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا كمثل رجل بني دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها له يفقهها فقالوا : الدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس فبمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم تحصل الجنة ولقربة والوصلة.
روي أن محمودا الغازي دخل على الشيخ الرباني أبي الحسن الخرقاني قدس سره لزيارته وجلس ساعة ثم قال : يا شيخ ما تقول في حق أبي يزيد البسطامي قدس سره؟ فقال الشيخ : هو رجل من اتبعه اهتدى واتصل بسعادة لا تخفى فقال محمود وكيف ذلك وأبو جهل رأى رسول الله عليه السلام ولم يخلص من الشقاوة؟ فقال الشيخ في جوابه : إن أبا جهل ما رأى رسول الله إنما رأى محمد بن عبد الله حتى لو كان رأى رسول الله عليه السلام لخرج من الشقاوة ودخل في السعادة ثم قال ومصداق ذلك قول الله تعالى : ﴿وترااهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ (الأعراف : 198) فالنظر بعين الرأس لا يوجب هذه السعادة بل النظر بعين السر والقلب والمتابعة التامة تورث ذلك.
وأمته صلى الله عليه وسلم من اتبعه ولا يتبعه إلا من أعرض عن الدنيا فإنه عليه السلام ما دعا إلا إلى الله واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عنها وأقبلت على الله وصرفت الأوقات لأعمال الآخرة فقد سلكت سبيله الذي يسلكه وبقدر ما اتبعته صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله وأعرضت عن متابعته ولحقت بالذين قال الله تعالى فيهم : ﴿فأما من طغى * وءاثر الحيواة الدنيا * فإن الجحيم هى المأوى﴾ (النازعات : 38 39) ولو خرجت عن مكمن الغرور وأنصفت من نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت أنك من حين تمسي إلى حين تصبح لا تسعى إلا في الحظوظ العاجلة ولا تتحرك إلا برجل الدنيا الفانية ثم تطمع في أن تكون غدا من أمته واتباعه ويحك ما أبعد ظننا؟ وما أفحش طمعنا؟ قال الله تعالى : ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون﴾ (القلم : 35 36).
جزء : 2 رقم الصفحة : 21