هم بر آن تصوير حشرت واجب است فعلى العاقل أن يزكي نفسه عن الأخلاق الذميمة ويطهر قلبه عن لوث العلائق الدنيوية ويجتهد في تحصيل مرضاة الله بالأعمال الصالحة والأقوال الحقة كي يجدها عند ربه يوم احتياجه ويفوز بالسعادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط واظمأ ما كانوا قط وأعرى ما كانوا قط وانصب ما كانوا قط فمن أطعم الله أطعمه ومن سقي الله سقاه ومن كسا الله كساه ومن عملكفاه" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام باعد بيني وبين خطيئتي كما باعدت بين المشرق والمغرب ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسلني بماء الثلج والبرد سبحان الله وبحمده أستغفر الله العظيم وأتوب إليه" ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى أصحابه حوله فقال : "أيها الناس لا تعجبوا بأنفسكم وبكثرة أعمالكم وبقلة ذنوبكم ولا تعجبوا بامرىء حتى تعلموا بم يختم له" قال عليه السلام : "فإنما الأعمال بخواتيمها ولو أن أحدكم جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لتمنى الزيادة لهول ما يقدم عليه يوم القيامة" ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى﴾ أثبت فيه الياء لأنه أصل ولم يثبت في فاتقون وأطيعون لأنه ختم آية ينوي بها الوقف ﴿يحببكم الله﴾ نزلت حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف ومن تابعه إلى الإيمان فقالوا : ﴿نحن أبناؤا الله وأحباؤه﴾ فقال تعالى لنبيه عليه السلام : قل لهم : إني رسول الله أدعوكم إليه فإن كنتم تحبونه فاتبعوني على دينه وامتثلوا أمري يحببكم الله ويرضى عنكم والمحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلاوأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلاوفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في طاعته والحرص على مطاوعته
22
جزء : 2 رقم الصفحة : 21
﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ أي : يكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جنات عزه ويبوئكم في جوار قدسه.
عبر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة أو المشاكلة ﴿والله غفور رحيم﴾ أي : لمن كان يتحبب للنصارى ويتبع عيسى بن مريم فنزل قوله تعالى : ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ أي : في جميع الأوامر والنواهي فيدخل في ذلك الطاعة في اتباعه صلى الله عليه وسلم دخولا أوليا ﴿فإن تولوا﴾ إما من تمام مقول القول فهي صيغة المضارع المخاطب بحذف إحدى التاءين أي : تتولوا وتعرضوا ، وإما كلام متفرع مسوق من جهته تعالى فهي صيغة الماضي الغائب وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة كما في قوله تعالى : ﴿فإن أسلموا﴾ (آل عمران : 20) تلويح إلى أنه غير محتمل عنهم ﴿فإن الله لا يحب الكافرين﴾ نفي المحبة كناية عن بغضه تعالى لهم وسخطه عليهم أي : لا يرضى عنهم ولا يثنى عليهم.
ودلت الآية على شرف النبي عليه السلام فإنه جعل متابعته متابعة حبيبه وقارن طاعته بطاعته فمن ادعى محبة الله وخالف سنة نبيه فهو كذاب بنص كتاب الله تعالى كما قيل :
تعصي الاله وأنت تظهر حبه
هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع وإنما كان من ادعى محبة الله وخالف سنة رسوله كاذبا في دعواه لأن من أحب آخر يحب خواصه والمتصلين به من عبيده وغلمانه وبيته وبنيانه ومحله ومكانه وجداره وكلبه وحماره وغير ذلك فهذا هو قانون العشق وقاعدة المحبة وإلى هذا المعنى أشار المجنون العامري حيث قال :
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا قال الإمام القشيري رحمه الله قطع الله أطماع الكل أن يسلم لأحدهم نفسه إلا ومقتداهم سيد الأولين والآخرين.