﴿ذالك﴾ أي : التولي والإعراض ﴿بأنهم﴾ أي : حاصل بسبب أنهم ﴿قالوا لن تمسنا النار﴾ باقتراف الذنوب وركوب المعاصي ﴿إلا أياما معدودات﴾ أربعين يوما وهي مدة الأيام التي عبدوا فيها العجل ورسخ اعتقادهم على ذلك وهونوا عليهم الخطوب ﴿وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون﴾ من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم إن آبائنا الأنبياء يشفعون لنا أو أن الله تعالى وعد يعقوب عليه السلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح.
قال ابن عباس رضي الله عنهما زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم أربعون سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم وإنما نعذب حتى نأتي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك وأصل الجحيم سقر وفيها شجرة الزقوم فإذا اقتحموا من باب جهنم وتبادروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم وملأوا البطون قال لهم خازن سقر زعمتم أن النار لن تمسكم إلا أياما معدودات قد خلت أربعون سنة وأنتم في الأبد ﴿فكيف﴾ أي : فكيف يصنعون وكيف يكون حالهم وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم وأنهم يقعون فيما لا حيلة في دفعه والمخلص منه وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون ﴿إذا جمعناهم ليوم﴾ أي : لجزاء يوم ﴿لا ريب فيه﴾ أي : في وقوعه ووقوع ما فيه.
روي أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفرة راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم إلى النار ﴿ووفيت كل نفس ما كسبت﴾ أي : جزاء ما كسبت من غير نقص أصلا كما يزعمون.
وفيه دلالة على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار لأن توفية جزاء إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذا هي بعد الخلاص منها ﴿وهم﴾ أي : كل الناس المدلول عليهم بكل نفس ﴿لا يظلمون﴾ بزيادة عذاب أو بنقص ثواب بل يصيب كلا منهم مقدار ما كسبه فالله تعالى ليس من شأنه العظيم أن يظلم عباده ولو مثقال ذرة فيجازي المؤمنين بإيمانهم والكافرين بكفرهم.
فعلى العاقل أن لا يقطع رجاءه من الله تعالى وإن كانت ذنوبه مثل زبد البحر فالله تعالى عند حسن ظن العبد به.
جزء : 2 رقم الصفحة : 14
روي "أنه إذا كان يوم القيامة وسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إذا بصوت حزين ينادي من داخل النار يا حنان يا منان ياذا الجلال والإكرام" فيقول الله تعالى : يا جبريل اخرج هذا العبد الذي في النار قال : فيخرجه أسود كفرخ الحمام قد تناثر لحمه وذاب جسمه فينادي يا جبريل لا توقفني بين يدي الله فافزع فيؤتى به إلى الله فيقول له عبدي : أتذكر ذنب
16
كذا وكذا في سنة كذا وكذا فيقول : نعم يا رب فيقول الله اذهبوا بعبدي إلى النار فيكون من العبد التفات فيقول الله : ردوا عبدي إلي فيرد إليه فيقول له : عبدي ما كان التفاتك وهو أعلم فيقول : يا رب أذنبت ولم أقطع رجائي منك وأدخلتني النار ولم أقطع رجائي منك وأخرجتني منها إليك ولم أقطع رجائي منك ثم رددتني إليها ولم أقطع رجائي منك فيقول الله تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي وارتفاعي في علو مكاني لأكونن عند ظن عبدي بي ولأحققن رجاءه في اذهبوا بعبدي إلى الجنة"
خدايا بعزت كه خوارم مكى
بذل بزه شر مسارم مكن
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في قبورهم ولا في منشرهم كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون : الحمدالذي أذهب عنا الحزن" فالواجب على من كان مؤمنا وليس من أهل البدع أن يحمد الله على ما هداه وجعله مسلما من الأمة الشريفة.
ولذا قيل : من علامات سوء العاقبة أن لا يشكر العبد على ما هدى به من الإيمان والتوحيد.
وأهل الغرور في الدنيا مخدوع بهم في الآخرة فليس لهم عناية رحمانية وإنما يقبل رجاء العبد إذ قارنه العمل والكاملون بعد أن بالغوا في تزكية النفس ما زالوا يخافون من سوء العاقبة ويرجون رحمة الله فكيف بنا ونحن متورطون في آبار الأوزار لا توبة لنا ولا استغفار غير العناد والإصرار.
قال الإمام الهمام محمد الغزالي رحمه الله في منهاج العابدين : مقدمات التوبة ثلاث : إحداها ذكر غاية قبح الذنوب.
والثانية ذكر غاية عقوبةوأليم سخطه وغضبه الذي لا طاقة لك به.
والثالثة : ذكر ضعفك وقلة حيلتك فإن من لا يحتمل حر الشمس ولطمة شرطي وقرص نملة كيف يحتمل حر نار جهنم وضرب مقامع الزبانية ولسع حيات كأعناق البخت وعقارب كالبغال خلقت من النار في دار الغضب والبوار نعوذ بالله من سخطه وعذابه.
مرامى ببايد وطفلان كريست
زشرم كناهان زطفلانه زيست
نكو كفت لقمان كه نازيستن
به ازسالها بر خطا زيستن
هم ازبامداد آن كلبه بست
به ازسود وسرمايه دادن زدست
جزء : 2 رقم الصفحة : 14